تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

إن إثبات القدرة على ما إذا فعله كان قبيحا إثبات نظري خالص دفاعا عن حق الذات الخالص. وإن إثباتا نظريا لقدرة الذات على فعل القبيح لا يثبت شيئا بالفعل. فما الفائدة من قدرة نظرية لا تتحقق عملا؟ وكيف تكون قدرة ذات مطلق غير متحققة بالفعل؟ إن إثبات قدرة نظرا ونفيها عملا أقرب ما يكون إلى تحصيل الحاصل أو إثبات الشيء ونفيه أو إثبات العلة ونفي المعلول. إن إثبات قدرة للذات المشخص على فعل القبيح إخراج للإنسان من موقفه وتنصيبه مدافعا عن غيره وليس مدافعا عن نفسه. وإن إثبات قدرة للذات المشخص على فعل القبيح قد لا يثبت قدرة بقدر ما يثبت طغيانا. صحيح أن القدرة قدرة عاقلة وليست قدرة غاشمة، وهي قدرة مدركة للقبيح وفعله ولكن تظل القدرة أعلى من الحكمة. إن جواز القدرة على الكذب تغليب للحرية على العقل وهو غير معقول تماما مثل جواز عدم القدرة على الكذب وتغليب العقل على الحرية.

وتوجد حلول متوسطة تحاول الجمع بين إثبات القدرة وإثبات العدالة الإنسانية، منها إثبات الأولى نظرا والثانية عملا، الأولى كحق نظري والثانية كواقع عملي. وعيب ذلك الحال هو اعتبار الحق النظري غير واقع، واعتبار الواقع العملي غير قائم على حق نظري، وبالتالي الفصل بين النظر والعمل وهو ما لا يجوز لا في علم الله الواقع ولا في فعله الحكيم.

21

وقد يحدث الجمع بين القدرة المطلقة والعدالة الإنسانية بإثبات حق القدرة المطلقة ثم وضعها في نطاق الكمال. فالمطلب الخلقي يوجب الحق الطبيعي. والكمال هنا هو الحسن العقلي والعلم. فالعلم فضيلة وصفة من صفات الكمال، والظلم جهل وآفة يعبر عن حاجة، جلب منفعة أو دفع مضرة، وهو ما يستحيل على الله.

22

وقد يعاد وضع المسألة من جديد دون الدخول في المتاهة العقلية ثم يفرض الشعور بالتنزيه صياغة عقلية جديدة. وهنا لا تفعل القدرة العدل اضطرارا بل اختيارا، أي إن الحرية العاقلة التي تميز الإنسان أعطيت للقدرة المشخصة فأنارتها.

23

ومن ضمن الحلول المتوسطة الأخرى أن يخلق الله الظلم للظالم والجور للجائر. فالظلم والجور ليسا فعلين صوريين بل فعلان ماديان.

24

ويصبح الأمر أكثر إشكالا إذا ما تدخل الله في أفعال العباد وأجبرهم على الجور أو الظلم. فمن أجل حل قضية العدل تثار من جديد قضية الحرية وينتهى فيها إلى الجبر.

25

فإذا كان الرد بالإيجاب، أي إثبات القدرة كتعبير عن عواطف التعظيم والإجلال، فإن ذلك يقضي بتاتا على العدالة الإنسانية وعلى مثالها في العدل الإلهي.

26

ويكون التنزيه قد أراد تأكيد جانب فقضى على جانب آخر. بل إنه يقضي على الفعل الإلهي ذاته لأن القدرة المطلقة قادرة على فعل ما أخبر عنه أنه لا يفعل! وهذا طعن للإنسان في العدالة البشرية وقضاء على ما يمكن للإنسان أن يجعله رسالته. وتكون النتيجة في السلوك البشري القضاء على الحياة الإنسانية وعلى كل ما فيها من قيم وإثبات الدكتاتورية والطغيان. ففي الإمكان القضاء على كل شيء في هذا العالم ثم بث روح المذلة والاستكانة والرهبة والخوف. فليس هناك قيمة ثابتة يدافع الإنسان عنها ويركن إليها. ومن ضمن الحلول المتوسطة الجمع بين الإثبات والنفي للمحافظة على القدرة المطلقة والحرية الإنسانية في آن واحد مثل نفي علم قديم بالإرادة ثم إثبات حدوث هذه الإرادة بالفعل.

27

ولكن هل ينفي العلم القديم من أجل إثبات الحرية، وهو نقص في عواطف التأليه بالنسبة إلى العلم كما أنه يثبت تدخل الإرادة حتى ولو كانت حادثة؛ وبالتالي تنتفي الحرية؟ ومن نوع الحلول المتوسطة نفسها التفرقة بين إرادتين، إرادة ذات قديمة وإرادة فعل حادثة ، أو بين إرادة التكوين وهي شاملة للأشياء جميعا وإرادة الفعل التي تترك للفعل الإنساني حريته واستقلاله.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٣٨