تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

وليس المقصود من طرح مسألة الصفات الذاتية للأفعال تبرئة الذات المشخص واتهام النفس، فهذا موقف بطولي عاجز، بطولي لأنه يقوم على اتهام النفس وتبرئة الغير، وعاجز؛ لأنه غير قادر على إدراك الصفات الذاتية للأفعال. ودفاعا عن الله الخير وإثباتا لمسئولية الإنسان عن الشر تكون الإجابة أن الله ليس خالقا للشر. الخير والشر صورتان عامتان لمواقف اجتماعية، نافعة أو ضارة، وليسا شيئين مجسمين. هي أوضاع اجتماعية ناشئة عن ممارسة حريات الأفراد وضغوط الجماهير. ومع أن النفي أكثر تنزيها لأنه يضع عواطف التأليه في حيز الكمال إلا أنه يؤدي إلى إثبات الحرية الإنسانية. فالإنسان يتحمل أفعاله وهو مسئول عنها حتى ولو لم يكن عنها راضيا. وتلك طبيعة الفعل الحر والإحساس بالمسئولية عنه.

11

قد يكون الشر مجرد عرض أو يكون عقابا في الآخرة نتيجة للأفعال وطبقا للاستحقاق وقد يكون مجازا لا حقيقة. وفي كل الحالات تثبت مسئولية الإنسان عنه. الأفعال الحسنة والقبيحة هي أفعال الإنسان، والإنسان مسئول عنها في العالم وأمام الناس. (2) هل الله قادر على فعل القبيح؟

وهو السؤال نفسه السابق ولكن مركز على الصفات، وخاصة القدرة على الفعل الإنساني. وإثباتا لحق الذات ومطلق الصفات يكون الرد بالإيجاب؛ فالله قادر على فعل القبيح. ويمكن إثبات ذلك بعدة حجج عقلية منها القسمة العقلية. فإما أن يفعله ويقبح منه فعله وبالتالي تلزمه الحجج لتنزيهه عن فعل القبيح أو يحسن منه وهو غير معقول.

12

ولما كان إثبات قدرة ذات مشخص على القبيح طعنا في التنزيه وضربا للصفات بعضها بالبعض الآخر وإعلاء للقدرة فوق الحكمة، فإن إثبات أفعال لا واقع لها، بل لمجرد إثبات قدرة هو إثبات قدرة ينقصها الوعي والعقل والحكمة؛ وبالتالي يكون إثبات القدرة أولى. لا توجد إذن أفعال بلا قدرة. يثبت حسن الأفعال وقبحها الإرادة الواعية وراء الأفعال. القدرة والعلم كصفتين مطلقتين لذات مشخص واحد لا يتعارضان.

13

والقادر على الفعل قادر على جنسه. ولما كان الحسن مثل القبح فالقادر على الحسن قادر على القبح. تتعدى قدرة الذات المشخص من القدرة على القبيح وجنسه إلى القدرة على جميع الأجناس في الطبيعة. بل إن الإنسان إذا كان قادرا فإنه يكون قادرا على مقدور غيره؛ إذ تساعد الرغبة في البطولة من لا يستطيع أن يكون بطلا في تحويل عجزه إلى قدرة مشخصة يجعلها قادرة على عمل ما هو عاجز عنه أو أقدر مما هو عليه قادر.

14

ولو استوى الصدق والكذب فإن الإنسان يكون أقرب إلى فعل الصدق. وهو الدليل نفسه لإثبات الحسن والقبح العقليين، وأن الفاعل قد يفعل الفعل لحسنه، وأن الإنسان قادر على التفرقة بين من أحسن وبين من أساء إليه. ولو قال فعلت الحسن لحسنه لكان الجواب مقنعا.

15

وحكم القادر لنفسه أقوى من حكم القادر بقدرة في أن مقدوره لا ينحصر في جنس واحد. الفعل تعبير عن ضرورة.

16

وفعل لا يقع ضرورة، بل قد لا يقع ولا يقع فعل لا يهدف على عكس البشر.

17

والحقيقة أن هذه الحجج كلها إنما تثبت القدرة النظرية دون تخصيصها بالقبح. وتؤدي إلى ظهور الواقع الإنساني الهش ثم تدعو الحاجة إلى إجراء تنزيهي مضاد وقياسا للغائب على الشاهد وهو أساس الفكر التشبيهي. وما الحكمة من إثبات القدرة النظرية على فعل القبيح ثم حدها بعد ذلك بحكم العقل، فالله لا يفعل القبيح ولا يترك الواجب بحكم العقل؟ وكيف يتم التوفيق بين القدرة على فعل القبح وأنه ما هو قبيح منه يتركه وما يجب عليه يفعله، إذ لا حاكم بقبح القبيح ووجوب الواجب إلا العقل؟

18

وكيف يكون قادرا على فعل القبيح وهو صادق لذاته؟ ألا يفترض ذلك تناقضا بين الذات والصفات؟

19

وما الحكمة من إثبات القدرة النظرية على فعل القبيح ثم تقييدها بوجوب الصلاح والأصلح في الدنيا والتعويض عن الآلام في الآخرة وباللطف؟

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٣٧