تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

إن أخطاء الجبر كثيرة، وعلى رأسها إضافة القبيح إلى الله مع أن الهدف كان هو تنزيهه عن فعله. وكيف يصدر القبح عن الحسن والشر عن الخير؟ والجبر أيضا إنكار لحرية الإنسان ومسئوليته عن القبح، هذه الحرية التي تم إثباتها من قبل في خلق الأفعال وأصبحت أحد مكتسبات العدل، ومن ثم يهدم علم أصول الدين ما بناه من قبل، ويعود من البداية لإثبات الحرية. كما أنه إثبات الوجود الموضوعي للقبيح لأنه مخلوق، والخلق شيء، ولا يمكن أن يخلق العدم أو النقص أو الغياب. وبدلا من تبرئة الله من فعل القبيح فإنه يثبت مرتين، كفعل إلهي وكوجود موضوعي، مرة في الله ومرة في الكون، والإنسان كموجود بين عالمين غائب وحريته ساقطة. وفي الوقت نفسه ينتفي القبح الإنساني نظرا لتسليم الإنسان بكل شيء واعتباره القبح من نسيج الوجود وأحد مخلوقات الله. ويصبح الجبر سلاحا ذا حدين، ينقلب من الإنسان إلى الله، فالقبح ضرورة كونية لا يستطيع أحد أن يغير منها. فتسلب الحرية من الإنسان كما تسلب الحرية من الله، وكأن الله يفعل الشر ضرورة فعله للخير. إن إثبات قدرة مشخصة على فعل القبيح إلغاء لقوانين العقل وحرية الإنسان، ويقوم على التشبيه وعلى إسقاط الإنسان لنفسه خارجا عنه.

4

وإذا كان من الصعب إيجاد حجج عقلية على الجبر وجعل الله خالقا للخير والشر، فإنه يسهل إيجاد حجج نقلية ومنها قصة غواية إبليس لآدم كجزء من الخطة الإلهية. وهذا إنكار للحرية الإنسانية، إنكار لقدرة الإنسان على الدخول في التحدي مع الآخر الغاوي. فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يعيش في عالمين، عالم الخير والشر، عالم الضرورة والحرية، في حين تعيش باقي المخلوقات في عالم واحد، الحتمية للخير أو الحتمية للشر، وهما العالمان اللذان سميا عالم الملائكة والشياطين اعتمادا على الصورة الفنية.

5

والحقيقة أن الحجج النقلية معارضة بأخرى تنزه الله عن فعل الشرور والقبائح والآثام والمعاصي، وتنسب ذلك كله إلى الإنسان إثباتا لحريته وتثبيتا لمسئوليته.

6

وهل يكفي تنزيه الله عن القبائح ذاتا وصفات، وتنزيهه عن الشهوة والغضب حتى لا يكون هناك شر في العالم؟ والحقيقة أن تنزيه الله عن فعل القبيح بالعودة إلى الذات والصفات ليس استدلالا، بل إثباتا للتوحيد دون تعامل مع القبائح والشرور والظلم والجور في العالم، أي تناول أفعال الإنسان ومسئوليته عنها. وهو عجز عن الانتقال من التوحيد إلى العدل وحل مسائل العدل بالعود إلى أصل التوحيد.

7

بالإضافة إلى أن هذا التصور المثالي للذات إنما هو ناشئ عن نفي صفات النقص عن الإنسان وبالتالي فإن منشأه العدل. فكيف يأتي التوحيد كحل لمسألة العدل؟ اللهم إلا إذا جعلنا التوحيد ناشئا من العدل، وكأن العدل أساس التوحيد! وكيف يتم تبرئة الذات المشخص عن فعل القبيح وفي الوقت نفسه يكون قادرا على كل شيء بفعل الخلق؟

8

إن إثبات الصفات والأفعال على ما بان في التوحيد يؤدي إلى القضاء على حرية الأفعال، كما أنه يؤدي إلى إنكار الصفات الموضوعية في الأشياء.

وقد يتم تنزيه الذات المشخص وذلك بالتمييز بين الذات والصفات وإثبات صفات زائدة على الذات؛ فتكون صفات أفعال وليست صفات ذات.

9

ولكن في هذه الحالة تفعل الصفات في العالم وتهب الأشياء صفاتها من الخارج. وبالتالي تكون الأشياء تابعة في صفاتها إلى قدرة خارجة عنها. فإذا ما كانت الصفات مساوية للذات، فإن الصفات لا تفعل في العالم، وترد إلى العالم موضوعيته، وتصبح صفاته ذاتية ثابتة لا تتغير. فتظهر صفات الأشياء في ذاتها وكأن صفات الذات تصبح صفات الأشياء. ويكون الأمر والنهي من الله كاشفين عن الحسن والقبح في الأشياء. ولا يثبت حسن الفعل أو قبحه بحسن الفاعل أو قبحه، بل يثبت حسن الوضع الناشئ عن الفعل أو قبحه. فالفعل وإن كان صادرا عن فاعل، إلا أنه يهدف إلى تغيير بناء الواقع. فحسنه وقبحه موضوعيان لا شخصيين.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٣٦