تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

54

والعقل هو العقل الكامل القادر على العلم. وعلمه نوعان: علم اضطراري ناشئ من طبيعة العقل وعلم كسبي ناشئ من الحواس والتجربة والمشاهدة. وقد يدخل الخاطر في تحديد كمال العقل، وهو عمل العقل المولد للأفكار، العقل المعبر عن الشعور الخلاق. قد يكون كمال العقل هو الاضطرار إلى علوم الدين؛ لأنها لا تفهم إلا بالعقل. وسلامة العقل دليل البلوغ. لا يهم بعد ذلك تحديد العمر العقلي كما هو الحال عند الفقهاء، سلامة العقل عند الاحتلام أي البلوغ العضوي؛ لذلك لا يصح إسلام الصبي أو كفره لأنه في مرحلة ما قبل البلوغ. كما أن تحديد العقل تحديدا كميا بعدد السنين تحديد خارجي خالص. كمال العقل صفة كيفية لا تحدد إلا كيفا. يكمل العقل باستقلال الشعور ووعيه. وقد يختلف العمر الزمني من فرد إلى فرد، ومن حال إلى حال، ومن جماعة إلى جماعة، ومن عصر إلى عصر. فهو عامل فردي أكثر منه تحديدا موضوعيا بالرغم من وجود عوامل موضوعية تؤهل للوعي وإن لم تحتم ظهوره مثل التعليم والحوار وممارسة الرأي والمشورة والعمل الجماعي. يكفي للآخرين التحقق من صدقه بالمراجعة والتحقيق، ويمكنهم المعارضة والإثبات؛ منهج العقل إذن منهج عام يمكنه ضم الفكر البشري.

55

العقل هو كل شيء؛ الحس والمشاهدة والإدراك والإحساس الداخلي ومشاهدة الوجدان ومجرى العادات واستقراء الحوادث.

56

إذا عمل العقل في الطبيعة وحلل ظواهرها فإنه لا بد وأن ينتهي إلى ما جاء به السمع.

57

لذلك كانت الأفعال قبل الشرع على الإباحة طبقا للقاعدة الشرعية في أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بتحريمها.

58

وكان الناس قبل الشرائع على حكم العقل أي على البراءة الأصلية ومحبة الأشياء الطبيعية. الأفعال قبل اكتمال الوحي على الإباحة إن لم يرد فيها شرع، ولكن بعد اكتمال الوحي تكون الأفعال طبقا لأحكام العقل وقوانين الطبيعة. قبل الوحي كان يمكن للعقل أن تسوده الأهواء والانفعالات وللطبيعة أن تسودها قوة خارجية عنها، ولكن أحكام العقل وقوانين الطبيعة ثابتة منذ اكتمال الوحي. ليس وجوب العقل مساومة على الشرع في أنه لا يجب شيء من قبل العقل في مقابل أنه لا يجب شيء قبل ورود الشرع، وكأن الله يدخل في مساومة مع الإنسان، لا يوجب العقل على الأول شيء ولا يوجب الشرع على الثاني شيء قبل وروده.

59

وهنا يبرز سؤال: ماذا كانت ديانات الأنبياء قبل نبواتهم؟ هل كان كل نبي على دين النبي الذي قبله قبل أن تأتيه النبوة الجديدة؟ هل كان على دين إبراهيم؛ الحنيفية السمحة التي أكملها الإسلام؟ هل كان على دين العقل؟ أم هل كان على البراءة الأصلية على الفطرة والطبيعة؟ والحقيقة أن هذا سؤال ليس مجردا، بل ينطبق على كل حالة على حدة. كان أنبياء بني إسرائيل على دين الأنبياء السابقين. ولا تنشأ إلا مشكلة آدم على أي دين كان قبل أن يبلغه الله الرسالة؟ فإذا كان آدم منذ وجوده في الأرض قد تلقى الوحي تكون النبوة معاصرة لوجود الإنسان. أما خاتم الأنبياء فقد كان على دين أبي الأنبياء إبراهيم، وهو دين العقل والطبيعة والفطرة.

60 (2-2) إثبات العقل بعد السمع

والحقائق العقلية هي أساس الحقائق الشرعية، وإن إبطال الأولى يرفع الثانية. وموضوعية القيم سابقة على حكم الشرع. وما حكم الشرع إلا تأييد لها وتقوية للبواعث الإنسانية وتحويل لها إلى دوافع للسلوك ومقاصد وأهداف. العقل ضروري لفهم النقل، وإلا نزل النقل على خواء وهبط الوحي إلى فراغ. معرفة صحة السمع متوقفة على العقل. وما تفتقر صحة السمع إليه لا يجوز أن يحتاج فيه إلى سمع لأنه يؤدي إلى الدور؛ وبالتالي إلى إبطال الاثنين. وإن إثبات العلوم الضرورية سمعا تناقض لأن العقل مكتف بذاته ولا يمكن إثباته إلا بالعقل. فلا يمكن معرفة صحة الكتاب والسنة إلا مع العلم بأن الله حكيم لا يفعل القبيح، وذلك لا يعرف إلا عقلا. يمكن معرفة الله إذن بالعقل دون السمع. وهناك الدواعي مع النظر والخواطر؛ لذلك كان النظر أول الواجبات.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٢٨