تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

44

لم يكن العقل قبل ورود الشرع صفحة بيضاء، بل كان قوة قادرة على التمييز بين الأشياء. وكان غرض الوحي منذ بدايته إلى نهايته كمال العقل. العقل قادر على معرفة الأشياء بلا شرع. والمعرفة ليست غيبا. الشرع مقرر ومثبت لحكم العقل وليس بادئا أو نافيا له. أما أحكام العقل الصادرة عن عاطفة تطهر مثل تحريم إيلام الحيوان، فليست صادرة عن طبيعة العقل بل عن مزايدة في الموقف الإنساني الوجداني، ووقوع في الإنسانية الفارغة ووضع الإنسان على مستوى الطبيعة وليس سيدا لها. لقد تنازع الناس في أمور معقولة قبل ورود الشرع، وانتهوا إلى أحكام عقلية. وإلا فكيف كان يحكم القاضي قبل الشرع بين المتخاصمين؟ وفيم كانت القوانين القديمة؟ ألم يدخل كثير من القوانين القديمة في الشرائع الإلهية إما تمثيلا لعدالتها أو إقرارا للأعراف السائدة؟

45

إن الجدل الذي قام حول القيم قبل ورود الشرع يثبت موضوعيتها. هناك حقائق عقلية عامة يدركها العقل دون ما حاجة الشرع، مثل استحالة الشرك وكل صفات النقص في الكمال. وإذا كانت المعرفة النظرية الخالصة لا يقدر عليها إلا العقلاء، فإن الصور الفنية إحدى وسائل التعبير عن الأحوال النفسية والظروف الاجتماعية التي تفرض أشكالها من تأليه وتجسيم وتشبيه إذا كان التنزيه أعلى مراحل التجريد والعقلانية في المعارف النظرية الخالصة.

46

ولكن المعارف النظرية الخالصة ليست شرطا للمعارف الخلقية العملية؛ تحتاج الأولى إلى عقل خالص، بينما تقوم الثانية على صدق النية وحسن الطوية.

47

وإذا كان العقل قادرا على أن يصل إلى كل المعارف والحقائق حتى قبل أن يبلغه السمع، فعليه الحجة ومطالب بالبرهان سواء بلغته الرسالة أم لم تبلغه. إن ما يعلمه العقل اضطرارا لا يفتقر إلى سمع، كالعلم بقبح الظلم وقبح الكفر بالنعمة، ووجوب الإنصاف والشكر. ما دل عليه مدلول من جهة العقل لا يفتقر إلى سمع؛ وإلا لافتقر السمع إلى سمع إلى ما لا نهاية، وبالتالي لن يثبت شيء بالعقل. السمع دليل خارجي في حين أن العقل دليل داخلي.

48

المكلف هو العامل، سواء بلغته دعوة الرسل أم لم تبلغه. فالإنسان مطالب بالمعارف العقلية حتى لو عاصر النبوة، ولكن لم تبلغه الدعوة. فهو معذور بجهله بالرسل والشرائع، أما الذي جهل التوحيد والعدل فإنه كافر معاقب وكأن أحكام الإيمان والكفر تصدر على أصول نظرية خالصة وليس على الأفعال المترتبة عليها، الفردية والاجتماعية، وكأن الجزاء الأخروي هو الشكل الوحيد للنتائج المترتبة على الفعل دون أثرها في الدنيا ونتائجها المباشرة في سلوك الناس.

49

وقد يصل الأمر إلى حد التبليغ فقط دون البرهان وكأن الإعلان عن النبي كاف لتصديقه.

50

وكيف يكون الخبر بديلا عن العقل؟ قد يصدق الخبر ويكذب. كما أنه يعتمد على الفهم والتأويل وتصديق الراوي للخبر مصدر المعرفة، وينتج عنه التكليف بالشرائع بالضرورة، سواء حمل هذا الخبر تشريعا أم لم يحمل.

51

والشرع له أسسه الموضوعية بصرف النظر عن الشارع والمبلغ. فعندما تحول الجماعة الشرع إلى دافع تفرز الجماعة من بينها المنظر والقائد، ويكون التنظير والقيادة جماعية. فإن كان التكليف عقلا وشرعا، فإنه في هذه الحالة لا يستقل العقل ويصبح أيضا مفعولا به وليس فاعلا. فإذا كان الله هو الذي خلق وهو الذي ركب وهو الذي هيأ وأعطى الوسائل وهو الذي ساعد، فماذا يبقى للعقل؟

52

والعجيب أن الصوفية والأشاعرة والفقهاء وكل أعداء العقل يثبتون العقل قبل البعثة ويجعلونه متزامنا مع الخلق، ومع ذلك ينكرون عليه استقلاله في معرفة الحسن والقبح كما ينكرون على الإنسان خلق الأفعال.

53

والعقل هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان. ومن لم يعرف بالعقل أصبح كالحيوان خادما للإنسان العاقل لا حرج عليه ولا تثريب، ولا ثواب ولا عقاب في الآخرة! العقل إنساني خالص، ملكة إنسانية وقوة بشرية لا تعطى إلى الحيوان إلا إسقاطا من الإنسان ووهما؛ لذلك فإن الأفعال الحرة وحدها هي التي توصف بالحسن والقبح لا الأفعال الاضطرارية أو أفعال الصبيان والمجانين أو أفعال الحيوان والنبات والجماد. الفعل لا يكون فعلا عاقلا إلا إذا كان فعلا حرا. ولو كان الحيوان حرا فإنه لا يكون مكلفا لأنه غير عاقل، فشرط التكليف الحرية والعقل.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٢٧