61
أما المعجزة فهي تصديق لا تصور، والنظر في صدق النبي متوقف على العقل؛ إذ إن العقل شرط صحة السمع، وذلك يوجب كون العقل مستقلا بذاته دون سمع، وليس في حاجة إلى كرم لطف أو بيان مصلحة. لو لم يكن الواجب عقلا لزم إفحام الأنبياء الذين يعتمدون على البرهان والعقل. فصدق النبوة ليس بالمعجزة الخارجية بل بالبراهين الداخلية، كما أن جلب المصالح ودرء المفاسد وهو أساس الشريعة من استنباط العقل.
62
بل إن قانون الاستحقاق ذاته الذي تترتب عليه أمور المعاد من وضع العقل.
63
إن معرفة النقل قائمة على معرفة العقل ووجوب النظر. وإن إيجاد الأدلة والبراهين لا يعني الاعتماد على العقل، بل هو بحث عن أساس عقلي للنص. وفي الغالب ما يكون أساسا خطابيا انفعاليا تصويريا في حاجة إلى نقد عقلي للنص حتى يتحول إلى برهان محكم. ومثال ذلك دليل الحدوث ودليل التمانع ومعظم الأدلة التي صاغها الأشاعرة. يمكن معرفة القانون العام من الوحي ومن العقل على السواء. ولكن نظرا لأن معرفة الوحي قد تتغير بفعل النسخ؛ فتظل المعرفة العقلية قائمة وثابتة، فهي الضابط والمحك والمقياس. وإذا ما ورد دليل الشرع في ظاهره مخالفا لدليل العقل فإنه يتم تأويله؛ فالعقل أساس السمع، ولا يجوز وقوع تناقض بينهما.
64
إذا تعارض النقل والعقل فإنه يمكن حل هذا التعارض بالتأويل، إما تأويل النصوص بعضها بالبعض أو تأويلها جميعا بحيث تتفق مع العقل على ما هو معروف في علم أصول الفقه في باب «التعارض والتراجيح».
65
وإذا ثبت شيء بالسمع فإنه يجوز من جهة العقل؛ فالعقل أساس النقل. وتظل الحجة النقلية ظنية ما لم تؤيدها حجة عقلية ولو واحدة طبقا لنظرية العلم الأولى.
66
أما عندما يكون النقل أساس العقل فإن تطابقهما يتم لحساب النقل أو يأتي اليقين من النقل ويفترض تطابق العقل معه، في حين أن النقل لا يعطي اليقين بمفرده. إذا كان النقل أساس العقل فأين بداهات العقول وأولياتها؟ وماذا عن نظرية العلم التي ظهرت فيها أوليات العقل كإحدى ركائزها؟ وكيف يمكن الاستدلال والمحاجة دون أوليات العقول؟
67
وعلى هذا النحو، وطبقا لبناء العقل، يمكن تحديد الصلة بين العقل والسمع في الأفعال. فالواجب بالشرع هو الحسن بالعقل، والمحرم بالشرع هو القبيح بالعقل. ولا يمكن أن يكون الواجب بالشرع قبيحا بالعقل أو أن يكون المحرم بالشرع حسنا بالعقل. أما المباح فإنه يلتقي فيه العقل والشرع معا. وقياسا على ذلك أيضا يمكن إدخال المندوب والمكروه في البناء النظري. ونظرا لأنه لا توجد إلا مقولتا الحسن والقبح المطلقتين، فإنه يمكن ضم الحرية إلى العقل، وبالتالي يتوحد شقا أصل العدل. وفي هذه الحالة يكون المندوب بالشرع حسنا بالعقل اختيارا، ويكون المكروه بالشرع قبيحا بالعقل اختيارا. لا يوجد واجب بالسمع يكون قبيحا في العقل ولا محظور في السمع يكون حسنا في العقل. ولا يكون مندوب في السمع قبيحا في العقل ولا مكروه في السمع حسنا في العقل. ولا يوجد مباح في السمع يكون قبيحا في العقل لأنه في حالة استواء الطرفين في الحسن والقبح يكون الفعل إلى الحسن أقرب. وفي حالة استواء الطرفين في الضرورة والاختيار يكون الفعل أقرب إلى الطبيعة والبراءة الأصلية.
68
وقد أسيء فهم هذا العمل العقلي في النص، واتهم بأنه تأويل، أي إخراج النص من معناه الحقيقي إلى معنى مجازي بلا دليل، في حين أن هذا العمل العقلي في النص عمل طبيعي لإيجاد المعنى وتحويل النص إلى اتساق عقلي ثم توجيهه إلى إحدى وظائفه وهو التأثير على النفوس بعد تحويل المعاني إلى بواعث. وهو ضروري أيضا لإيجاد نسق لأحكام الشرع وتأسيس النقل على العقل حتى يكون الإنسان صاحب موقف عقلاني في العالم وفي نفس الوقت تكون أفعاله تحقيقا طبيعيا وعقلانيا لأحكام الشرع. والتأويل كعمل للعقل لا يكون تقليدا للقدماء واعتمادا على الروايات، بل بناء على العقل الخالص. ولا يخرج عن السنة، بل يوصل مراحلها ويجعلها مستمرة متصلة بلا انقطاع. وليس جرأة على الله، بل اعتزاز بخلقه، فالله ليس إرهابا للعقل وإيحاء له بالقصور وعدم الفهم والعجز حتى يستسلم، وهو مناط الاجتهاد، والاجتهاد أصل الشريعة. وهو ليس تحكيما للهوى بل يقوم على قواعد عقلية محكمة كما هو الحال في قواعد الاجتهاد في علم الأصول.