تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 (1) هل يمكن هدم العقل؟

إن اعتبار النقل أساسا لإدراك الحسن والقبح هو في الحقيقة هدم للعقل؛ لأنه في هذه الحالة لا وظيفة له في الإدراك ولا موضوع له للإدراك. فما دامت الصفات ليست ثابتة في الأفعال، فبطبيعة الحال يخبر الشرع بها في النقل وتقتصر وظيفة العقل حينئذ على فهم النقل ليدرك بدوره حسن الأفعال وقبحها،

2

وهذا في حد ذاته هدم لنظرية العلم التي يقوم عليها علم أصول الدين والتي تجعل العقل إحدى وسائل العلم وأن شرطه النظر، وأن الحجة العقلية تظل ظنية ولا تتحول إلى يقينية إلا بحجة عقلية ولو واحدة.

3

إن تفاوت الناس في استخدام العقول لا يعني طعنا فيها، بل يعني وجود فروق فردية بينها. وتظل بداهة العقل واحدة في جميع البشر، ولكن تختلف درجات تغليفها الاجتماعي. الاستعداد الطبيعي واحد ولكن فروق النشأة والتربية ونظم الحكم ومقدار المجتمع في التخلف والتقدم كل ذلك يحدث تفاوتا في استخدام العقول. وهذا لا يعني أن الله هو الذي جعل العقول متفاوتة وإلا كان ظلما وجورا.

4

إن حقائق العقل بالرغم من كونها عادات الناس إلا أنها تظل حقائق للعقل، ووجودها في مجرى العادات لا ينفي كونها حقائق عقلية.

5

ولماذا التشكيك في الحقائق البشرية والقيم العامة؟ ولماذا لا يكون القبح في قتل الناس وأخذ أموالهم وأذاهم وقتل المرء لنفسه وإباحة حرمات الناس؟ لماذا تصور الله وكأنه يقف لهذه الحقائق بالمرصاد، يهدمها ويقلبها ويغيرها وكأن الشريعة عبث وتناقض لا تهدف إلى رعاية مصالح الناس والدفاع عن الحرمات والأخذ بحقوق المظلومين؟ ولماذا يتصور الله وكأنه ضد الحياة وعقل الإنسان؟ ولماذا تصور الشرائع لا معقولة؟ المقتول في سبيل الله يضحي بنفسه في سبيل قيمة أعظم، حياة الجماعة وبقاء الأمة، حرصا على الحياة. والختان قوة جنسية. والركوع رياضة بدنية. ولماذا ندرس في مدارسنا إذن حكمة الصيام والصلاة والصوم؟ والإحرام رفض لمظاهر المدنية في اللباس وعود إلى الإنسان الطبيعي. فالإنسان بدن وروح وليس حلة وثيابا وزينة.

6

إن القضاء على إدراك العقل هو قضاء على الحكمة من الشريعة وقضاء على التعليل وهو أساس الشرع في الجمع بين المتماثلات والفرق بين المختلفات. إن هدم العقل هدم للشريعة؛ فالشريعة تقوم على العقل. ويؤدي هدم العقل والشريعة إلى الوقوع في التماثل بين الإنسان والله. فإذا قال الله اعبدوني واسجدوا لي فإن الإنسان لا يقول ذلك عن نفسه، وبالتالي يؤدي هدم العقل والشريعة إلى تمثيل الله بالإنسان، في حين أن إثبات العقل وحكمة الشريعة يؤدي إلى تنزيه الله.

7

الكفر قبح لأنه إنكار للمبادئ ولحقائق العقول وليس لأن الله حرمه. وإباحة الكفر تقية حفاظ على الحياة وليس هدما للحقائق.

8

وكيف تستوي الحقائق بالنسبة إلى الله؟ وكيف لا تكون أفعاله مرجحة بالنسبة إلى الإنسان لصالحه؟ إن كلامه معلل بالهدى والصلاح؛ ولذلك أرسل الأنبياء. وإن أسوأ أنواع الأفعال الحرة هي حرية استواء الطرفين التي يستحيل فيها الفعل من الأساس. وإن هدم العقل في إدراك الحسن والقبح هو عود إلى الإرادة والعلم والمسبق وبها ينتفي الفعل الحر أساسا وليس العقل وحده. وإن جعل العقل تابعا للإرادة الإلهية، أي للرضا والسخط هو جعله عقلا تابعا لشيء آخر سواه، وبالتالي يفقد قدرته على الإدراك ويتحول إلى عقل مبرر تابعا لإرادة الآمر والناهي. بل ويظل العقل حائرا تبعا لتقلبات الإرادة وتغيراتها؛ وبالتالي يفقد ثباته واتزانه. وهل غاية الأمر والنهي الإدراك أم التنفيذ؟ هل غايتهما نظرية أم عملية؟ إن الأمر والنهي لا يمكنهما أن يعطيا حسنا أو قبحا بل يعطيان فقط توجيهات عملية للسلوك. وإذا ما تم السلوك تنفيذا للأوامر والنواهي بلا عقل مدرك للحسن والقبح، فإن ذلك يحيل الإنسان إلى مجرد آلة للتنفيذ أو متفرج يفعل به ما يشاء وهو طيع مطيع. لا يعترض لأنه لا يفهم، ويكون جوهر الإيمان في هذه الحالة الطاعة العمياء وليس العقل المستنير. وهل يتحدد الحسن والقبح بالثواب والعقاب المترتبين على طاعة الأوامر واجتناب النواهي؟ إن الجزاء والعقاب بعديان لاحقان بالفعل بعد أن يتم. وما فائدة أن يعرف الإنسان الحسن والقبح في الأفعال بعد أن تتم وينال الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية؟ ولماذا هذا الصراع بين الله والعقل وتحديد أيهما حاكم وأيهما محكوم عليه؟ ولا يقال إن العقل قد حكم أن الله هو الحاكم؛ فالعقل لا يهدم نفسه، ولا يرضى بسلطان سواه. وهذا نوع من لوي الحقائق وقولها إلى المنتصف والتشدق بالدفاع على العقل والرضا بحكمه، فلو كان العقل هو الحكم فهو الحكم بأنه هو الحاكم ولا حاكم سواه.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٢٠