تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28

ولا تعني موضوعية الصفات موضوعية المثل كما هو الحال في الفلسفة وإنكار الحدوث واختلاف الأفعال طبقا للأشخاص والأزمان والحالات النفسية، بل تعني إثبات استقلال القيمة وتحققها في أفعال الأفراد.

29

كما لا يعني إثبات الحسن والقبح العقليين كصفتين موضوعيتين للأفعال، أي إجبار على الله أو أي وقوع في التشبيه بأن الله يحسن ويقبح ما يعقله الإنسان لأن قانون العقل العام صادق على كل العوالم الممكنة، ليس تشبيها بل قضاء على ثنائية الموضوع، هذا العالم والعالم الآخر، وقضاء على ثنائية المنهج، العقل لهذا العالم والنقل للعالم الآخر، والحكم بالشاهد على الغائب على أساس المعرفة البشرية، وثنائية الشخص، الإنسان من جانب والله ومن جانب آخر.

30

وليس المطلوب زحزحة الإنسان عن معرفة واستبدال الله به أو المزايدة في الدفاع عن الله وكأن الإنسان يمثل خطرا عليه! ذاك حطة في الله وإعطاء للإنسان أكثر مما يستحق، وتدمير للإنسان وإخراجه عن وضعه الطبيعي في العالم واستعمال لعقله في الإدراك لصفات الأفعال.

وقد تنشأ حلول متوسطة ولكنها في أغلب الأحيان أقرب إلى إثبات الصفات الموضوعية للأفعال منها إلى نفيها. مثلا أن يكون وصف الشيء بالحسن والقبح، لا لذاته ولا للأوامر والنواهي، بل لوصفه بمعنى هو صفة له. فكل معنى وصف به الشيء فهو صفة له وهو ما يسمح بالتعليل والغائية،

31

فالحقيقة أنه لا فرق بين المعنى والصفة ما دام كل منهما قيمة مستقلة توجد في الفعل وتنبع من بنيته الداخلية ولا تتغير بتغير الإرادات المشخصة. وقد يترك لله إمكانية أن يأمر بالقبيح ولو جوازا فيكون قبيحا للنهي، وما لا يجوز فإنه يكون قبيحا لنفسه، وكذلك في الحسن كل ما جاز أن يأمر الله به فهو حسن للأمر وما لم يجز فهو حسن لذاته.

32

وذاك في الحقيقة ترك حق نظري ممكن له وانتزاع الحق العملي منه، وما دمنا في نطاق الفعل فإننا نكون على مستوى الحق العملي وليس على مستوى الحق النظري.

وأخيرا، هل يمكن نقد إثبات الصفات الموضوعية للأفعال؟ بالنسبة للخير لا إشكال هناك، فالإنسان خير بطبيعته، والخير في الفطرة، والحسن في الطبيعة. ولكن ماذا يكون الحال بالنسبة للشر؟ هل القبح صفة موضوعية في الشيء والفعل أم مجرد وجهة نظر أي إنها معرفة وليست وجودا؟ ألا يؤدي ذلك إلى إثبات الشر الكوني على ما هو معروف في الديانات الشرقية القديمة وعند الفلاسفة أنصار النظرية الكونية؟ إن القبح ليس في الوجود بل في الأفعال التي تتحقق وتصبح أوضاعا اجتماعية. ولما كانت الأفعال حرة فالأوضاع الاجتماعية تتغير طبقا لها. فإن وقع القبح في الوجود من الأفعال فإنه يكون قبحا طارئا متغيرا سرعان ما يأتي الحسن مكانه بالفعل الحر؛ فالحسن أقرب إلى طبائع الأشياء وتكوين الفطرة. والحرية أقرب إلى الممارسة اليومية من القهر والغلبة. فلا خطورة إذن من إثبات الصفات الموضوعية للأفعال من إثبات الوجود الموضوعي للقبح؛ فالقبح عرض والحسن جوهر. واحتمال وجود القبح تحد لحرية الإنسان ودافع على ممارستها.

| رابعا: العقل والنقل

لما ثبت وجود الصفات الموضوعية للأفعال تحول السؤال من الموضوع إلى المعرفة وأصبح: كيف يمكن إدراك هذه الصفات بالعقل أم بالنقل؟ وكان الاختيار واضحا. فكل إنكار للصفات الموضوعية يجعل طريق إدراكها النقل لأنه لا يوجد شيء يمكن إدراكه بالعقل. فالموضوع والمعرفة كلاهما يأتيان من الخارج؛ من الإرادة المشخصة للآمر الناهي. وكل إثبات للصفات الموضوعية يجعل طريق إدراكها العقل لأنه قادر على التعامل مع الموضوعات المستقلة. والطريق إلى معرفة صفات الفعل إنما يتحدد فقط في المعاني الثالث للحسن والقبح، أي تعلق المدح والثواب بالفعل إن عاجلا أو آجلا ألزم الثواب والعقاب لأن المعنى الأول وهو الملاءمة والمنافرة للغرض يدركه الحس، والمعنى الثاني وهو الكمال والنقص يدركه العقل سواء ورد بهما الشرع أم لا.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١١٩