تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

إن خلق الله للعقل مسلم ومعترف به، ولكن ذلك لا يعني أنه لا وظيفة له ولا حكم، وأن العقل بمجرد خلقه لا يدين بالولاء إلا لنفسه، ولا يظل أسير خلقه حتى تمحى وظيفته؛ لذلك يشكر المنعم، ويصبح شكر المنعم واجبا وكأن الله قد خلق العقل ليعيره به أو ليقضي على استقلاله؛ فيصبح نقصه دليلا على كمال الله وتبعيته دليلا على استقلال الله، وكأن خلق العقل كان مجرد ذريعة للقضاء على حكمه.

10

إن ضبط الوقائع بقانون عقلي خير من ضبطها بإرادة مشخصة، فقانون العقل ثابت في حين أن الإرادة متغيرة. صحيح أن الإرادة ضد الهوى والانفعال ولكنها أيضا رضا وسخط وهي أمور متغيرة ومتقلبة. وإن كانت ثابتة فحكمها حكم العقل ويكون العقل بها أولى. لا شك أننا لو شئنا المزايدة في الإيمان والدفاع عن الله وهدم العقل وتدمير الإنسان لقلنا إن الله حاكم على العقل وهو المحكوم. الله هو الخالق له، وهو المالك لكل شيء، وهو الحاكم على كل شيء. وأين مكان الخطر؟ وأي موقف نوجد فيه نحن؟ هل الله في خطر أم أن العقل في خطر؟ هل ندافع عن حاكمية الله أم حاكمية العقل؟ هل نحن المدافعون عن الله أم نحن بشر ندافع عن حقوق البشر؟ قد لا يملك الإنسان أمام المزايدة إلا الصمت خوفا من قهر العامة وثقل التاريخ وسطوة الحكام. ومع ذلك فالدفاع عن حكم العقل هي مهمة الجيل دفاعا عن حقوق الناس وأعمالا لعقولهم.

11

وهل هي قضية سلطة من الحاكم؟ وهل صورة الحاكم باستمرار هي صورة الحاكم المطلق الذي يفعل ما يشاء، ما حسنه حسن وما قبحه قبيح؟ وإن لم يفعل فهل ذلك يكون أحد مظاهر نقصه وطعن في كماله ونيل من سلطانه؟

12

وهل هذه هي صورة الله أم صورة الدكتاتور؟ صورة الله أم صورة الطاغية؟ وما أسهل أن يأتي الحاكم بعد ذلك ويأخذ مكان الله في قلوب العامة فيحسن ويقبح، ويصبح العقل خاضعا له وتابعا لإرادته، ويصبح الحسن تابعا لرضاه والقبح تابعا لسخطه. ولا معقب على إرادته ولا مراجعة عليها من أحد. يفعل ما يشاء، يسالم من يشاء ويحارب من يشاء، يصالح من يشاء ويعادي من يشاء، وليس في العالم سواه، وليس في الوجود إلاه. (1-1) هل يمكن إنكار العقل قبل النبوة؟

وقد بلغ هدم العقل إلى حد إنكار وظيفته كلية قبل النبوة وكأن الإنسانية كانت قبلها أحط من الحيوان لم تعرف إلى العقل سبيلا. وصحيح أن الإنسانية قد تطورت وبلغت استقلالها واكتمل وعيها بانتهاء النبوة، ومع ذلك فطليعة الإنسانية الممثلة في فلاسفتها ومفكريها وحكمائها قادرون على التوصل إلى الحقائق البشرية العامة. فقد امتنع قابيل عن قتل أخيه هابيل حتى لا يبوء بإثمه، لأن تحريم قتل النفس حقيقة إنسانية عامة. قد يقال لقد عرفت الإنسانية النبوة من آدم، فآدم إنسان ونبي؛ وبالتالي لا توجد فترة زمنية استقل فيها العقل بنفسه. العقل والوحي متزامنان. ولا توجد إنسانية قبل آدم كان العقل فيها بمفرده. وبالتالي يكون الحديث فقط قبل بعثة محمد وقبل ختام النبوة وقبل ظهور الإسلام أي في المراحل السابقة على الوحي التي لم يكن العقل قد اكتمل فيها بعد. فإثارة السؤال الآن والعقل قد اكتمل، والإنسانية قد استقلت لا معنى له، سؤال نظري خالص، وافتراض صرف، ورجوع إلى الوراء، وإسقاط من الحاضر في الماضي، من مرحلة كمال العقل إلى مرحلة نقصانه كعقل جمعي عام، وتوهم فترة قد انقضت ولم تعد موجودة بالفعل. والإنسانية لا ترجع إلى الوراء، ولا يمكن إسقاط الحاضر على الماضي أو التفكير بشعور مستقل في مرحلة سابقة عليه. ولا يكون القصد من ذلك إلا ضياع استقلال الوعي الحالي والإيهام بأننا في مرحلة سابقة؛ فيطغى الماضي على الحاضر، ويضيع التقدم، ويسقط التاريخ من الحساب، ويضيع نضال الإنسانية في سبيل تقدمها واكتمالها هباء.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٢١