20
ولا يعني تغيير الأفعال طبقا للظروف والأحوال تغيير الحقائق ذاتها بل تبني حقائق أخرى مثل الكذب في بعض المواقف حرصا على الحياة والكذب على الأعداء وخداعهم. فالكذب يظل قبيحا ولكن يدخل تحت قيمة أخرى أعلى وهي الحفاظ على الحياة والدفاع عن النفس.
21
إن تغيير السلوك في المواقف لا يعني هدم القانون العقلي العام أو الوجود الموضوعي للقيمة. وما الحكمة في تصور الله ضد القوانين وضد الحقائق وضد القيم دون مراعاة للظروف؟ إن كل شريعة مرتبطة بظروفها وأسبابها، ولها غاياتها ومقاصدها. قتل من قتل في ظاهره قتل وفي حقيقته حياة،
ولكم في القصاص حياة . ويظل قتل الناس وأخذ أموالهم وإيذاؤهم وقتل المرء نفسه أو التشويه بها أو إباحة حرمة الناس حقائق إنسانية ثابتة وعامة. وتعارض المعاني يشير إلى سلم القيم وليس إلى إلغاء بعضها البعض. فموت الشهيد حياة. وعلى الإنسان أن يختار بينها تفضيلا وترجيحا أقل الأضرار وأكثر المنافع.
22
لا يعني النسخ أي تغيير في الصفات العينية للأشياء حتى ينجح التغيير ويتحقق. النسخ منهج في التغيير من الناحية العملية وليس تغييرا للمعاني من الناحية النظرية. كما أن اختلاف الأحكام طبقا للأوقات تحليلا وتحريما لا يعني تغييرا في صفات الأشياء بل يعني تطورا في الوعي الإنساني ساهم في رقيه تطور الوحي منذ الإنسان الأول حتى العصر الحاضر. فنكاح الأخوات أيام آدم وعبر التاريخ أصبح محرما اليوم؛ نظرا لتطور الوعي الإنساني.
23
ولا يعني اختلاف الشرائع باختلاف أوضاع الأفراد نفي صفات الأفعال، بل تطابق الحكم مع الموقف. فالحفاظ على حياة أهل الذمة والاكتفاء منها بالجزية ليس كقتل المسلمين بناء على الكفر. يحاكم المسلم نظرا وعملا في حين أن الذمي يحاكم عملا فقط.
24
ولا يعني خلق الإنسان وخلق العقل أي نفي للصفات الموضوعية للأفعال؛ لأنه لا يكون هناك شيء يعقل أو يوصف قبل الخلق، أي إنكار لهذه الصفات فذلك تدمير لكل شيء. ليس الحديث قبل الخلق بل بعد الخلق. وقبل الخلق لا نعلم عنه شيئا إلا إذا قمنا بقياس الغائب على الشاهد ونحن الآن بعد الخلق، وما كان يمكن لهذا الحديث ولهذا التفكير أن يحدث إلا بعد الخلق. فافتراض ما قبل الخلق من صنع الوهم وليس العقل؛ وبالتالي لا يكون حجة. والقانون العقلي العام متضمن في العلم وليس صفة عينية مشخصة لذات مشخصة بل مجموعة من الأفكار والنظم والقيم أعطيت في الوحي وبلغت للناس في الرسالة. فلم يزل القبيح قبيحا في علم الله ولم يزل الحسن حسنا في علمه. والقانون العقلي العام ليس قانونا مشخصا، عقلا كليا قديما أو ذاتا مطلقة أزلية بل هو قانون عقلي من ضرورة العقل وموجود بوجود الإنسان.
25
وإن كان القول بإثبات صفات الأفعال إسقاطا من قانون العقل على الفعل فإنه ليس بأسوأ من إسقاط مظاهر النقص الإنساني. ويظل على أية حال قانون العقل المسقط أقرب إلى التنزيه.
26
ولا يسأل: من الذي حسن الحسن وقبح القبح في العقول؟
27
فلا يسأل عن وظيفة العقل وكأن العقل موضوع يحتاج إلى عقل آخر يفعل فيه ويملي عليل المعقولات! هو سؤال يقوم على سوء فهم لوظيفة العقل وجعله موضوعا لا ذاتا. والهدف منه هدم العقل وجعل الله أي الوحي المشخص هو الذي يحسن ويقبح في العقول وكأن العقل لا وظيفة له. الهدف منه هو المزايدة على الإيمان وجعل الله هادما للعقل، مرعبا له، واقفا له بالمرصاد، يغير قوانين العقل، ويبدل صفات الأشياء. إن وجود القيم وجودا موضوعيا مرتبط بعالم الإنسان وليس بعالم الحيوان. وإن عدم اعتبار الحيوان عدوان بعضه على بعض ظلما وقبحا لا ينفي اعتبار الإنسان ذلك. وإن التشكيك في القيم بدعوى عدم وجودها في الحيوان استمرار في الرغبة في تدمير الحقائق الإنسانية مرة باسم الله ومرة باسم الحيوان، وكأن الإنسان موجهة إليه السهام مرة من أعلى ومرة من أسفل، مطعون مرتين!