تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يعني شمول الحكم الخلقي تغييره حسب أوجه الأشياء أو وقوع في النسبة؛ فالقبائح قبائح لأنها تقع على وجه. وليس الوجه مجرد وجهة نظر ذاتية في الشيء، بل جانب من جوانبه. إن اختلاف الأحكام حسب الأوجه اختلاف وجودي وليس فقط معرفيا، اختلاف موضوعي وليس فقط ذاتيا. ولا ترجع عمومية الحكم أو الوجود الموضوعي للصفات وليس فقط ذاتيا. ولا ترجع عمومية الحكم أو الوجود الموضوعي للصفات إلى مبدأ عام خارجي أو إلى وجود مطلق بل هو اقتضاء إنساني خالص يجعل الحكم الخلقي أو الوجود الموضوعي للصفات ممكنا، وهو الواجب لصفة زائدة. وكذلك يحسن الحسن لوجه نفعا بالنفس أو بالغير أو دفعا لضرر بالنفس أو عن الغير أو أمرا بالحسن أو نهيا عن القبح أو إرادة للحسن وكراهة للقبح. وإذا اجتمع وجهان الحسن والقبح على فعل واحد، فالحكم لوجه القبح تفاديا للشبهات أو لوجه الحسن فالأشياء في الأصل على الإباحة. وإن كان ندبا فالحسن صفة زائدة تستحق الشكر، وإن كان كراهة فالقبح صفة زائدة تستحق الذم. أما الواجب فله وجه معقول يجب لأجله وهو واجب معياري لا زيادة فيه ولا نقصان أقرب إلى الحكم الصوري، وكذلك المحظور.

17

والصفات الذاتية للأفعال مستقلة عن حال الفاعل ووضعه الإنساني، سواء كان مخلوقا مربوبا أم حزينا بائسا. ليس الإنسان محدثا أو مملوكا أو مربوبا أو مقهورا أو مغلوبا على أمره حتى يكون قبيحا، بل يكون فعله قبيحا إذا رضي أن يكون مملوكا مربوبا مقهورا مغلوبا. أما إذا ثار على الملكية والقهر والغلبة فإن فعله يكون حسنا. والإنسان السوي الذي لا هو قاهر ولا مقهور ولا غالب ولا مغلوب، ولا مالك ولا مملوك، لا محدث ولا محدث تتضمن أفعاله صفات موضوعية للقبح. تنتزع الصفات منه بسبب أوضاعه الاجتماعية ثم يستردها بفعله الحر. بل إن أفعال القهر والغلبة والسيطرة لا تكون حسنة من الله لأنها مضادة للإنسان، ونفي لحريته وقضاء على وجوده.

18

كما أن الصفات الموضوعية للأشياء مستقلة عن الإرادة الذاتية للأفعال. فإرادة الفعل ليست العلم به، والصفة المستقلة تأتي من العلم لا من الإرادة. وقد يعلم الفاعل صفة القبح للفعل ويأتي به. كما قد يعلم صفة الحسن للفعل ويأتي بفعل قبيح. العلم صفة موضوعية سواء كان مشعورا به أو غير مشعور به.

19

ولا تعني الإرادة القضاء على الصفات الموضوعية للأشياء؛ فعلاقة الإرادة بالصفة ليست علاقة العلة بالمعلول أو الشرط بالمشروط. إذا أسقطت المسألة على الذات المشخص أصبح الحسن والقبح تعبيرين عن العلم المطلق الموضوعي وليس عن الإرادة المطلقة. وكما أن المعلوم له وجوده الموضوعي بالنسبة لحال العالم فكذلك الحسن والقبح لهما وجودهما الموضوعي بصرف النظر عن حال الفاعل سواء كان إنسانا في العالم أم إنسانا مسقطا مشخصا في ذات متعالية مفارقة. فالقياس لا يصح بين صلة العالم بالعلم ودوره الإيجابي في تحويله من اعتقاد إلى يقين بالأدلة وحال فاعل القبح الذي لا يجعل الفعل قبيحا. أما العلم بالنبوات فهو شرط الفعل وليس شرط العلم. العلم شرط الفعل وليس شرط القبح. وإن تأثير أحوال العالم في العلم والقدرة والإرادة ليس كتأثير الفاعل للقبح. فالحالات الأولى من جنس العلم، بينما الثاني من جنس الفعل. وإذا كان العالم يستحق المدح على علمه والذم على جهله، فإن ذلك استحقاق فعل وترك، ولا يعني تأثير العالم أو الجاهل في الحسن أو القبح. أما تأثير الطاهر أو الحائض في فعل الصلاة أو تركها فذلك شرط للعبادة وليس كذلك فاعل الحسن أو القبح. أما تأثير حال الفاعل في شرط الفعل مثل العقل والبلوغ فذلك شرط للفعل وليس تأثيرا فيه. أما الدواعي والغايات والمقاصد فهي من مكونات الفعل وليست من مؤثراته. وكذلك خضوع الفاعل لله وطلبه القرب، أحد الغايات والمقاصد. وكذلك تأثير حال اليقظة والنوم والتذكر والسهو من شروط الفعل. وتأثير الإرادة شرط للفعل وليس كذلك فاعل القبح، وكذلك فعل الصغائر والكبائر. وهذا لا ينفي القول بأن لحال الفعل تأثيرا في بعض أفعاله ولكنه فقط لا يكون مقياسا لفاعل القبح والقضاء على موضوعية الحسن والقبح.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١١٧