78 (3) خاتمة. هل الحرية مشكلة؟
يبدو أن موضوع العدل إنما يجد حله في أصل التوحيد؛ فقد أدى إثبات أن الصفات زائدة على الذات إلى القضاء على استقلال الطبيعة وإثبات خضوعها إلى إرادة وقدرة خارجية عنها؛ فالذات فعالة في العالم من خلال الصفات والأفعال، وهي علة الكون وسيد الطبيعة. في حين انتهى إنكار كون الصفات زائدة على الذات إلى استقلال الطبيعة وحتمية قوانينها وارتباط العلة بالمعلول ارتباطا ضروريا؛ لأنه لا توجد صفات مطلقة، إرادة أو علم تتدخل في مسارها. فالمؤله ذات خالصة لا يتدخل في قوانين الطبيعة؛ لأنه لا صفات له، وهو التصور العلمي للطبيعة، كما تنشأ المشكلة في إثبات الصفات مع تصور تضاربها وتصور أن العلم مضاد للإرادة أو أن الإرادة معارضة للقدرة: هل ما يعلمه الله يكون أو هل يكون ما لا يعلمه مع أن الأقرب اتفاق الصفات وليس تضاربها ووحدة الله وليس تعدده. (3-1) الطرف الآخر المقابل للحرية؛ الله أم العالم؟
وأحيانا تتشعب الموضوعات كلها حتى يغيب الموضوع الأساسي والتحليل الدال؛ وذلك لأن الحرية ليست في العالم، وأن الطرف الحقيقي لها لفعل الإنسان هو الله وليس العالم ، وأن القيد هو إرادة الله الشاملة وليس الموقف والعقبة والقيد والنظم الاجتماعية والسياسية. وقد أدى ذلك إلى تصور الإنسان والله أعداء، بقدر ما يكون الله حرا يكون الإنسان مجبرا، وبقدر ما يكون الإنسان مجبرا يكون الله حرا بدلا من تصورهما متعاونين كإخوة أعداء.
79
والسؤال الآن: هل هناك مشكلة حقيقية تسمى مشكلة الجبر والاختيار أو مشكلة القضاء والقدر أو مشكلة الحرية؟ لقد أفاض القدماء فيما سموه مشكلة أو مسألة، وتضاربت الآراء بين جبر وكسب واختيار، كل رأي يعتمد على نصوص وحجج لتأييده. والحقيقة أن هذه المشكلة، كباقي مشاكل علم الكلام الأخرى، إنما تنشأ من هذا الوضع المقلوب للعلم ذاته «علم الله» بدلا من «علم الإنسان». فالسؤال الآتي: كيف تتفق إرادة الله المطلقة مع إرادة الإنسان أو علم الله المطلق وقدره المسبق مع حرية الإنسان؟ صياغة خاطئة لموضوع إنساني هو الفعل. لا يستطيع الإنسان إلا أن يشعر بإرادته وليس لديه أية وسيلة للشعور بإرادة خارجية تحد من قدرته وتقف أمامه بالمرصاد أو تساعده وتؤيده. صحيح أن هناك عقبات أمام الفعل الإنساني وهي الموانع الموجودة بالفعل، في الواقع، من قيد بدني أو ضعف باعث أو عدم وضوح فكر أو نقص في كمال غاية أو وجود موانع في البناء الاجتماعي أو عدم حلول لحظة الفعل المواتية كي يتحقق بنجاح، ولكن هذه العقبات عوامل مادية موجودة بالفعل يمكن معرفتها. وتصورها على أنها إرادة خارجية تحد من الفعل وتفرض نفسها عليه تشخيص لها، والتشخيص الانفعالي ضد التحليل العقلي؛ فالأول إدراك خاطئ ووهم بينما الثاني علم ويقين. فإذا لم تقف هذه الإرادة الخارجية للحرية الإنسانية بالمرصاد - مع أن هذا هو الشائع في التراث القديم كله - فإنها تأتي للعون والمساعدة والتوفيق. وهذه المساعدة في حقيقة الأمر ما هي إلا القوة المفاجئة التي تحدث للإنسان صاحب الحق ومحقق الرسالة أثناء الفعل ودون توقع من طبيعة الحركات ومكونات الموقف. هي قوة نفسية خالصة تعبر عن درجة تمثل الإنسان للغاية وشدة الباعث. وهنا لا يكون الكم هو المقياس، بل يضاف إليه الكيف. وكم من مرة انهار كم أمام كيف. كل ذلك تحليل للإرادة الإنسانية ووصف لمضمونها وتحققها في أفعال. ويستطيع الإنسان أن يعلم ذلك بتحليل شعوره ورؤية ما يدور في باطنه واستقراء مسار التاريخ ومعرفة قوانين تطور المجتمعات البشرية.
فإذا أخذ الإنسان هذا الموقف الإنساني بدافع من الأمانة الفكرية والتواضع العلمي، والعلم بمصادر معرفته وبعمليات الشعور، لم ير إلا حريته من خلال وصفه لشعوره وأفعاله، ولم يقع في تشخيص عوامل موجودة بالفعل كالعقبات أو ظهور قوى مؤيدة لم تكن في الحسبان نتيجة لطهارة الوعي، ونقاء الضمير، وصفاء النفس، وكمال الغاية. ولم ير إلا الحرية من خلاله، ولم يشخص إرادة خارجية مطلقة تقف له بالمرصاد. ذلك لا يتم إلا من نقصان في الوعي وسيادة الانفعال على العقل، والإحساس بالضعف أمام العقبات، فيشخصها إلى إرادة أقوى منه مضادة له أو إلى مصدر قوة أخرى يأخذها في صفه ويستمد منها قوته ويعوض فيها عجزه، يتعبدها ويتقرب إليها ويتزلف لها ويرضيها إلى حد النفاق ببناء البيوت كما يفعل لأميره أو لأسرته أو لحبيبته. صحيح أن الوحي المتضمن في الكتاب أخبر عن قدرة مطلقة وإرادة شاملة تعم كل شيء كصفة، ولكن هذه القدرة ضمن وظيفة التوحيد العامة، وهي الإحساس للإنسان بأنه في عالم واحد يشمله قانون واحد. ومهمة الإنسان في معرفة هذا القانون وتحقيق فعله طبقا لمساره وليس مضادا له لأنه هو طبيعة الأشياء، بل إن إرادة الإنسان، بنص الوحي، هي الموجهة والمحققة للإرادة الشاملة. وتنشأ الحركة في هذه الإرادة الخارجية بفعل الإنسان الذي يفعل فيها بفعله. يفعل الإنسان الخير ثم يعطى الجزاء. ولا جزاء قبل فعل الإنسان للخير. ويفعل الإنسان الشر وينال العقاب، ولا عقاب قبل فعل الإنسان للشر. ويستغفر الإنسان وينال المغفرة، ولا مغفرة قبل أن يستغفر الإنسان، ويتوب الإنسان فينال التوبة، ولا توبة قبل أن يتوب الإنسان. ويمكن أن يقال نفس الشيء على مستوى الانفعال لا على مستوى الفعل فحسب، فإذا فعل الإنسان الخير حدث الفرح والسرور عند الآخر، ولا يفرح الآخر أو يسر قبل أن يفعل الإنسان الخير. ويحزن الآخر ويأسى إذا فعل الإنسان الشر، ولا يحزن الآخر ويأسى قبل أن يفعل الإنسان الشر.