مهمة الوحي الإيحاء للإنسان بأن هناك قدرة في الكون أقوى من كل قوة طبيعية أو إنسانية أخرى، بمعنى أن لا شيء في هذا العالم بمستعص على الحركة والتغير. فيتمثل الإنسان حريته ويغير بناء واقعه. فلا شيء بثابت في هذا العالم، وكل شيء خاضع لإرادة عامة، هي الإرادة التي يتحد بها الإنسان بسيره وفق طبيعة الأشياء ومسار التاريخ. مهمة الوحي الإيحاء للإنسان بأن الطبيعة عاقلة، وأن الإنسان يعيش في عالم من المعاني. وأنه لا يوجد شيء في هذا العالم بلا سبب أو غاية. رسالة الإنسان قائمة على وجود سبب هو أنه ليس من طبيعة الأشياء وليس على مستواها؛ لذلك فهو سيد الكون، وأنه كلما تأمل في حياته وجد أنه بقدرته أن يفعل كل شيء وأن يكون سيدا مطلقا في هذا الكون. والسبب قد يؤدي إلى الغاية؛ فالإنسان يعيش في هذا العالم لغاية. فهو رسالة، والكون غاية. والإيحاء بأن هناك قدرة شاملة تعم كل شيء، تعني أن الرسالة موضوع قوة وصراع شامل يوجهه الإنسان لتحقيق رسالته. ولما كان الوحي موجها نحو الإنسان ومعطى له، فهو قصد إنساني موجه إلى الإنسان كغاية. الوحي والإنسان معا غاية واحدة موجهة نحو العالم. كيف إذن يحاول عالم الكلام أن يتصور أن إرادة الوحي وإرادة الإنسان يسيران وجها لوجه في اتجاهين متعارضين، كل منهما يقابل الآخر ويقف له بالمرصاد؟ هذا القلب المبدئي هو سبب هذا التراث العريض من النظريات والحجج لحل مشكلة وهمية لا وجود لها ناتجة عن وضع خاطئ لعلاقة إرادة الوحي بإرادة الإنسان حتى يظهر الصراع بالقيام بمعركة في الهواء تتم في خيال المتكلم وتعبر عن عجزه في الواقع، وعلى سيطرة الانفعال على عقله، وعلى أنه يعيش في عالم حسي خالص. كل ذلك ناشئ عن الوهم بأن الطرف المقابل للحرية هو الله وليس الموقف، وأن الله هو ميدان الحرية وليس الطبيعة، وأن الإرادة الإلهية هي التي تقف للحرية بالمرصاد وليست صنوف القهر وأنواع العقبات التي تمنع الإنسان من التحرر. (3-2) نظرية أم موقف؟
إن الجبر والاختيار في واقع الأمر ليسا نظريتين مبدئيتين، بل موقفان سياسيان كل منهما يحاول أن يجد تبريرا نظريا له بالاعتماد على النقل أولا ثم على التعقيل ثانيا. الموقف الأساسي موقف سياسي يكشف عن صراع قوى سياسية واجتماعية متناحرة من أجل السلطة والحكم، موقف السلطة وموقف المعارضة، موقف الحاكم وموقف المحكومين. والجبر والاختيار من أولى المشاكل التي ظهرت في الجماعة، ليس كموضوع نظري فحسب، بل كدلالة عملية وبوجه خاص كطرح سياسي. فإذا ما أراد الحاكم أن يتسلط وأن يتحكم بلا بيعة أو شورى، فإنه سرعان ما يجد مبررا له في الدعوة إلى الجبر في أفعال العباد، والحرية المطلقة لإرادة شاملة يتمثلها الحاكم حتى يصعب بعدها التفرقة بين إرادة الله وإرادة السلطان، فكما أن الله حر يفعل ما يشاء فكذلك السلطان يفعل ما يريد، وكما لا يجبر الله على الشيء فكذلك لا يجبر السلطان على شيء.
80
أما إنكار القدر وإضافة الخير والشر إلى الإنسان، فإنه يعطي الإنسان مسئولية ويجعله مسئولا عن كل ما يحدث في الواقع من أنظمة. فالحاكم مسئول، والرعية مسئولة. ويمكن التعامل بينهما على قدم المساواة. لا يوجد قدر خارجي يجعل من الحاكم حاكما أو يملي عليه أفعالا لا يعترض عليها. ولا يوجد قدر خارجي يجعل الرعية ساكنة مطيعة للحاكم وكأن الحاكم قدرها.
81
نظريات الجبر أو الكسب أو الحرية لها وظيفة في كل عصر، سواء من حيث النشأة أو من حيث الغاية. فهي تنشأ تعبيرا عن طبيعة المجتمع وصراع القوى فيه. فإذا كان مجتمع ضغط وإرهاب تنشأ نظريات الجبر لتبرير وجوده ولمطالبة الجماهير بالتسليم والإيمان بالقضاء والقدر والترويج لمعتقدات القسمة والنصيب والحظ. تنشأ أولا كتبريرات عبقرية ممن جعلوا أنفسهم منظرين للأنظمة الاجتماعية والذين في العادة يقلبون الحق باطلا والباطل حقا كما تهوى السلطة وكما يريد النظام، وقد يقوم الأفراد بذلك لمصلحتهم الشخصية لنيل الحظوة لدى الحاكم ثم تتبنى السلطة مقالاتهم للاستفادة بها على نطاق أوسع لإضفاء الشرعية على النظام وفرض الطاعة والولاء على العباد.