ومع ذلك فقد أجاب القدماء على الأخلاق بأفضلية الغنى على الفقر، وأن الغني مطالب بالشكر، وأن الفقير الذي لا غنى له مطالب بالصبر،
75
وكيف يكون الغني الشاكر خيرا من الفقير الصابر؟ وهل الشكر على الغنى فضيلة أم تستر على مصادر الغنى طلبا للمزيد؟ وهل الصبر على الفقر فضيلة أم تسكين وتخدير للفقراء؟ وكيف يتساوى الاثنان في التقوى؟ وهل تقوى الغني صادقة أم ظاهرة؟ وهل تقوى الفقير ممكنة أم عزاء وسلوان وتعويض عن حرمان؟ ألا تعني الاستعاذة من فتنة الفقر وفتنة الغنى ضرورة تغيير الأوضاع الاجتماعية ودرء الفتنتين معا، فتنة الغنى وفتنة الفقر؟ إن كل الحجج النقلية والتاريخية لتفضيل الغنى على الفقر إنما يرددها الأغنياء ترويجا للغنى وتأكيدا عليه كفضيلة، فإغناء الله للرسول لم يكن بالمال بل بالقناعة والزهد والعلم والنبوة، ولم يكن كل الأنبياء أغنياء، بل كان فيهم الفقراء المعدمون الذين لا يملكون شيئا من حطام الدنيا، ولم يكن الصحابة أغنياء بل كان فيهم فقراء المهاجرين، وإن إدانة الفقر ليست لطلب الغنى ولكن للصراع ضد الأوضاع الاجتماعية التي تنتج الفقر ولتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية بين الناس، وليست حرصا على مكسب خاص أو زيادة ربح أو تراكم ثروة شخصية لغني.
ويستحيل أن يكون في الغنى جمع بين عبادة النفس وعبادة المال، فلا بد أن تطغى الثانية على الأولى ويتحول الإيمان إلى ستار ليخفي عبادة المال، صحيح أن المال الصالح ينتج مع الرجل الصالح، ولكن ما الضمان على أن المال الصالح يكون باستمرار بين يدي الرجل الصالح؟ إن المعروف اجتماعيا وتاريخيا أن المال مفسدة، وأن المال في غالبيته فاسد، بل ويفسد الرجل الصالح، والمال الصالح لا يكفي الرجل الفاسد، والأخلاقيات لا تغير من الوضع الاجتماعي والنشاط الاقتصادي والنظام السياسي شيئا،
76
وفي أصل الوحي يشير الغنى إلى أنه فعل أكثر منه اسم، أي أنه نشاط أكثر منه شيء، وهو وإن كان فعل الله إلا أنه أيضا فعل الإنسان، فالغنى صفة لله ومطلب للإنسان، ولكن معظم الاستعمالات الفعلية نافية؛ فالغنى والكسب والمال والأولاد والمتاع كل ذلك لا يغني. والنذر والشفاعة والمولى والآلهة كلها لا تغني، فالغنى زائل. ويظهر البعد الاجتماعي للموضوع في حث الأغنياء على التعفف وعلى ضرورة دورة المال في المجتمع دون أن يكون حكرا على حفنة من الأغنياء. وأموال الأغنياء وإنفاقها في الحرب ضرورة لا استئذان فيها.
77
وكيف يكون الفقر أفضل من الغنى، والفقير أفضل من الغني؟ كيف يكون الفقير الصابر خيرا من الغني الشاكر؟ ألا يعني ذلك بقاء الفقير في فقره واستمرار الغني في غناه؟ ولماذا لا يكون الفقراء أفضل من الأغنياء لا بمعنى التسكين والتخدير، ولكن لثورتهم على الأغنياء ومطالبتهم بحقوقهم ولتحقيق مجتمع العدل والمساواة. فهم أكثر إنتاجا وجهدا وعملا ومقاومة. والأغنياء أكثر بطالة ورخاء وبطنة وترهلا. ولا تعني أفضلية الفقراء على الأغنياء دخولهم الجنة قبلهم ، بل تغيير حالهم في الدنيا. كما لا تعني أن الإنسان يولد فقيرا ويعيش فقيرا ويموت فقيرا، وأنه قد استغنى عن الغنى، فالاستغناء عن العالم المادي ليس تخليا عن المبادئ فيه. والزهد في العالم ليس انعزالا عنه، بل تقوية للنفس واستعدادا للجهاد كنوع من البساطة وضرب المثل لجماهير الفقراء بشظف العيش وقدوة للناس. وإن الدعوة بالحياة مع المساكين والموت والبعث معهم إنما تعني الالتحام بجماهير الأمة، وبأغلبيتها الصامتة وأن تكون القيادة معهم مثلهم كالسمك في الماء وليست أعلى منهم تتكسب على قضاياهم وتعيش على حسابهم؛ ولذلك كان الأنبياء فقراء باعتبارهم قادة أمم ومحرري شعوب. قد يسعد الغني بغناه في الدنيا، ولكن إذا ما قامت ضده الثورة فقط تطاح الرقاب. وشقاء الفقير في الدنيا إنما هو مؤقت ريثما تتحقق العدالة والمساواة. وهناك عالم يتساوى فيه الجميع ليس فقط في الآخرة ضرورة بل في الدنيا إمكانا.