تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله إنك لمثبط . وهو المسلم.

وبدأت الحركة الوطنية في مصر في الظهور، وأخذت الحكومة حذرها منها. تماطلها وتجاملها وتتقرب إلى الشعب بالوعد بمجلس نيابي إذا ما حافظ على الهدوء. وطلب المصريون الأحرار من جمال الدين وضع خطة للمجلس النيابي.

12

وكانت تلك بداية الثورة العرابية، تحويل الماسونية إلى حركة سياسية وليست صوفية، وإلى حركة وطنية وليست غريبة. وتحول الأفغاني من مصلح الأمراء والوزراء والقادة والنخبة إلى فقيه الأمة ومثور الشعب. انتشرت أفكاره بين الوطنيين المصريين، وذاع نقده لسياسة بريطانيا. فترجمت إلى الإنجليزية ونشرت في جرائد إنجلترا، وأثارت جدلا واسعا شارك فيه جلادستون. ولما اشتدت خطورة المحفل تدخل قنصل إنجلترا عن طريق أعينه في الحفل، وأخاف الخديوي من خطورته، فأصدر أمرا بإخراجه من مصر عام 1879م وترحيله إلى الهند. وقابله في السويس بعض تلاميذه وقنصل إيران، وعرضوا عليه بعض المال، فرفض قائلا

أنتم إلى هذا المال أحوج، والليث لا يعدم فريسة حيثما ذهب . وأقام بحيدر أباد. وفيها كتب رسالته في الرد على الدهريين. وأجبرته حكومة الهند على عدم مغادرتها والبقاء في كلكتا حتى انتهاء الثورة العرابية. بعدها سمحت له بالمغادرة إلى أوروبا، لمدة أيام في لندن ثم بعدها في باريس. وأقام بها ثلاث سنوات، ولحق به محمد عبده.

وكانت تألفت في مصر جمعية من الفضلاء، جمعية العروة الوثقى. وكلفته أن ينشئ جريدة تدعو إلى الوحدة الإسلامية تحت لواء الخلافة. فكلف محمد عبده بتحريرها، ونشر منها ثمانية عشر عددا قبل أن تتوقف، صودرت في الهند. ووضعت تحت الرقابة في مصر بأمر من نوبار الأرمني. وصدر قرار من مجلس النظار بمنع دخول الجريدة الأراضي المصرية. ويغرم كل من توجد لديه نسخة منها من خمسة جنيهات إلى خمسة وعشرين جنيها، ويبرئ الأفغاني نظار مصر والخديوي من إصدار هذا الحكم سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، مصريين أو شرقيين؛ لأنها تدافع عن المصريين وجميع الشرقيين، وتدعوهم إلى نبذ التنازع بينهم، وترتيب البيت من الداخل قبل الخارج. كانت مهمة الجريدة مناهضة سياسة بريطانيا. وكانت الشرطة الإنجليزية في الهند تستدعي المشتبه فيه بقراءة الجريدة وتمتحنه في آية الجهاد أو في حديث فيه. فإن لم يشأ الرد وأخبر أنه صوفي درويش معتزلي أمهل أربعة أيام لتحديد رأيه. فإذا أثبتها نفي نفيا مؤبدا إلى جزيرة إندومان حتى امتلأت بالعلماء.

ثم اندلعت ثورة المهدي في السودان، وزاد تدخل الإنجليز في مصر بحجة قمع ثورة السودان. فحذر الأفغاني جلادستون من سوء مصير غوردون. واستمر في الكتابة في موضوع السودان فحذر بريطانيا كاشفا دسائسها. حتى استدعياه سالزبوري وتشرشل إلى لندن لسؤاله عن رأيه في المهدي. فأوضح لهما خطأ سياسة إنجلترا نحو الإسلام ومصر والشرق. واقترحوا عليه تتويجه سلطانا على السودان لاستئصال ثورة المهدي وتحقيق أهداف بريطانيا. فرفض لأن بريطانيا تعطي ما لا تملك لمن لا يستحق كما فعل بلفور في وعده إلى وايزمان بإنشاء دولة فلسطين؛ فمصر للمصريين والسودان متمم لها، وصاحب الحق فيها الخليفة. والأولى ببريطانيا إصلاح أيرلندا. فأعجب به الأيرلنديون الأحرار. ثم عاد إلى فرنسا. واستمرت بريطانيا في مصادرة

العروة الوثقى . وأقام في باريس أكثر من ثلاث سنوات. نشر في المجلة عدة مقالات عن سياسات روسيا وإنجلترا ودولة الخلافة في مصر. وأجرى حوارا مع الفيلسوف الفرنسي رينان في العلم والإسلام وحقيقة القرآن والمعجزات. وشهد له رينان بصحة العلم وقوة الحجة. ورجع عن كثير من آرائه في الإسلام والقرآن والحضارة والعمران، وأرجع تخلف المسلمين وتأخرهم إلى جمود رجال الدين.

ثم استدعاه ناصر الدين شاه الفرس إلى طهران. فغادر باريس والتقى في أصفهان بالأمير الذي عظمه وقدمه إلى طهران، وعهد له بنظارة الحربية مع لقب مستشار خاص للشاه. حاول الأفغاني تغيير كل قديم، ونصحه الشاه بالتدرج وعدم التسرع. ثم خاف الشاه من شعبيته وخشي على سلطانه. فتنكر له. فاستأذنه جمال الدين في السفر إلى روسيا. ونال هناك الاحترام والتقدير لما عرفوه عنه من أنه كان وزيرا أولا في عهد الأمير محمد أعظم خان، ونشره مقالات عن سياسة الأفغان والفرس والدولة العلية والروسية والإنجليزية ونفوره من سياسة الإنجليز في الشرق. ولما سأله القيصر عن سبب اختلافه مع الشاه وأجابه الحكومة الشورية. فأيد قيصر روسيا شاه إيران وأمر بإخراجه من روسيا. فجال في أوروبا، لندن وغيرها من العواصم مع كل إجلال وتقدير في أي مكان حل به، ناقدا استبداد الشاه، ومؤيدا لأحرار إيران للانقلاب على حكم الطغيان دون تدخل الإنجليز. ثم تصادف وجود الأفغاني في معرض باريس عام 1889م، فالتقى بالشاه في ميونخ، واعتذر له الشاه، وطلب منه العودة إلى طهران. فرجع معه لتنظيم الدولة. فسن لها قانونا تكون به الحكومة ملكية شورية. ثم أوغر صدر الشاه عليه من جديد، وخشي من تقلص سلطانه، فذهب الأفغاني إلى قرية بالقرب من طهران، وتابعه العلماء. ولما عظم أمره قبض عليه الشاه وأخرجته الشرطة إلى البصرة وهو مريض، فقامت ثورة في إيران من مريديه أخمدها الشاه. ثم قتله رجل من أهل فارس بطعنه ثأرا لجمال الدين.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٩