تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

وبعد أن غادر إلى لندن تلقى دعوة من السلطان عبد الحميد لزيارة الآستانة. وبعد إلحاح شديد قبل جمال الدين الدعوة وذهب إليها آخر عام 1892م، وليس عليه إلا جبة واحدة، وكتب في رأسه لكثرة نفيه من مكان إلى مكان. واستمر في نقد استبداد السلطان ناصر الدين الذي رجا السلطان عبد الحميد التدخل لدى جمال الدين لوقف الحملة عليه. ولما عاتبه أحد المنافقين أنه يلعب بالسبحة في حضرة السلطان رد عليه بأن السلطان يلعب بمقدرات الملايين دون اعتراض أحد. فعظمه السلطان عبد الحميد بالرغم من الدسائس. ولما طلب جمال الدين زيادة راتب أحد المصريين بالآستانة وعد السلطان ولم يفعل. فطلب جمال الدين الإذن بمقابلة السلطان وقد جرت العادة استقدام السلطان له. ودخل عليه جمال الدين عبوسا والسلطان بشوشا، وطلب خلع البيعة له. فاستعجب السلطان، وحقق وعده، واعتذر لجمال الدين. وناوله الحاجب عند خروجه كيسا ودنانير فرفض. ولما كانت هبة السلطان لا ترد فوزعها على طلاب العلم وأهل الفضل والأدب المعوزين. واستمرت العلاقة بين جمال الدين والسلطان بالرغم من دسائس الأمراء والحساد. فطالب جمال الدين بتخليص الحاشية من الخونة الدساسين. فعظم السلطان جمال الدين، وتذكر جده محمود وقت أن كان الفساد في الإنكشارية. وقد عم الآن الفساد في البلاط كله. ولكن المسئولية تقع على جمال الدين الذي اعتذر عن عدم قبول المشيخة لإصلاحها، ولا حل الآن إلا بحدوث أمر عظيم في أوروبا يشغلها عن السلطان وتعطيه الفرصة لإصلاح الدولة. وقد اعتذر جمال الدين؛ لأن وظيفة العالم مجرد الوعظ والإرشاد والتعليم. وقد مكث أربعة أعوام يعلم ويحذر حتى أصيب بسرطان في فكه الأسفل. وأجريت له ثلاث جراحات لم تنجح. فتوفي في 9 / 3 / 1897م.

14

وبالإضافة إلى رحلاته التي تجعل من الأفغاني رجل نظر وعمل، فكر وممارسة، هناك أيضا صفاته ومذهبه، وآماله ومقاصده، ومناقبه وأخلاقه، ومنزلته من العلم التي تحدد معالم شخصيته.

15

فمن صفاته وملامحه أنه عربي، قمحي اللون، عظيم الرأس، عريض الجبهة، واسع العينين، عظيم الأحداق، ضخم الوجنة، رحب الصدر، جليل النظرة، مسترسل الشعر، ينجذب إليه كل من يراه بهذه الملامح الأخاذة حتى قبل أن يتكلم.

وهو حنفي المذهب غير مقلد، سني العقيدة مع ميل إلى التصوف، حريص على الفرائض، حمي الدين. آماله ومقاصده إنهاض دولة الإسلام من ضعفها كي تلحق بالأمم الراقية، وحل العقول من الأوهام، وتوحيد الشرق كي يستعيد مجده، ومناهضة سياسة بريطانيا في الشرق، وبث الحياة في الناس بعيدا عن الخمول والكسل. ومن مناقبه احتفاؤه بزائريه، ونهوضه للاستقبال والوداع، وزيارة الصغير والكبير. لا يتكلم إلا الفصحى، ولا يتحدث بالعامية إلا مع العامي. يوضح مقصده كي يوصل فكره للناس. يخطب دون أن يمزح كثيرا. وهو رزين كتوم زاهد في الدنيا، لا مطالب له في زوج أو ولد أو منصب أو جاه. لذلك لم يتزوج ولم يتقلد وظيفة ثابتة.

ومن أخلاقه سلامة القلب، حرية الضمير، صدق الحجة، عفة النفس، رقة الجانب. وهو وديع حليم. فإذا مس كرامته أحد انقلب إلى غضب. يعتمد على الله وحده دون مبالاة لأي شخص آخر. وهو عظيم الأمانة، سهل مع من يلين له، صعب على من يستغلظ عليه. لديه قدر عظيم من العلوم مع بعض التسرع والعجلة للوصول إلى مقاصده. وهو قليل الحرص على الدنيا، لا يغتر بزخرفها، مشغول بعظائم الأمور، ويعرض عن صغائرها. وهو ثابت الجأش، شجاع لا يهاب الموت، حاد المزاج لدرجة التهور ، فخور بنسبه الشريف دون ترفع. قد يكون في أخلاقه بعض التناقض. فهو كريم إلى حد الإسراف، بخيل إلى حد التقتير، متواضع لدرجة الذل، متكبر لدرجة التجبر، كتوم جهور. وهو التناقض الموجود في شخصية كل عظيم.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ١٠