تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غضب شيخ الإسلام، واتهم الأفغاني بأنه يعتبر النبوة صنعة كعادة المزايدين في الدين في كل عصر، وأنه ذكر النبوة في معرض خطاب عن الصناعة. وأعطى توجيهاته إلى خطباء المساجد، هذا الجهاز الإعلامي الجاهز في أيدي رجال الدين ورجال السياسة، بنقد الأفغاني والمطالبة بمقاضاته واتهامه بالكفر وإنكار ما علم من الدين بالضرورة. ووقعت الفتنة، وانقسم الناس فريقين، فريق معه وفريق ضده. وخشي الصدر الأعظم وطالب الأفغاني بمغادرة الآستانة كي تهدأ النفوس، معتذرا له عن أهل الجمود، وأنه كان بوده أن يجعله شيخ الإسلام. ومثل الأفغاني يناهض السلطتين الدينية والسياسية ويفضح تعاونهما الخفي والعلني.

ثم غادر الأفغاني الآستانة إلى مصر في 22 / 3 / 1887م سياحة فيها حتى لاقي رياض باشا رجل الإصلاح فمال إليه. والتفت حوله طلبة العلم. وقرأ عليهم كتب الكلام والحكمة النظرية الطبيعية والعقلية والفلك مع أصول الفقه في بيته وفي الأزهر يوم الجمعة. فذاعت أفكاره في مصر، واستمر في محاولاته للقضاء على الأوهام والدفاع عن العقول. نبغ تلاميذه وتأثروا به، واتسعت حلقاته. فحسده الحساد، وحقد عليه الحاقدون كما هو الحال في كل عصر. واتهموه بقراءة الفلسفة التي حرمها المتأخرون بفتاوى ابن الصلاح. وشوهوا ما ينقلون عنه عن طريق أنصاف المتعلمين عن قصد.

تم تولى توفيق حكم مصر وأيده الأفغاني وجمع القلوب عليه. ولما كان الأفغاني ميالا بفطرته إلى السياسة، فقد نظر في أحوال مصر ورأى تزايد تدخل الأجانب في شئونها يوما بعد يوم. فبدأ يفكر كيف تتغير الأحوال بتأييد الحاكم الصالح أو بتنوير العقول أم بالعمل على إنشاء الجمعيات الإصلاحية وتنشيط ما هو موجود منها.

فانضم إلى الجمعية الماسونية، المحفل الاسكتلندي، وأصبح من رؤسائها دون أن يخفي ذلك. وبعد أن عايشها انتقدها، ردا على من قال إنها لا دخل لها بالسياسة، وأنه يخشى عليها من بطش الحكومة. وضاق المحفل بآرائه التي ينتقد فيها الخمول والخوف والجبن. وأنشأ محفلا وطنيا تابعا للشرق الفرنسي لتحويل الماسونية الغربية إلى حركة وطنية مصرية. وانضم إلى المحفل عدد بارز من المفكرين والمصلحين المصريين من تلاميذه ومريديه من العلماء والوجهاء. وقسمه إلى شعب. شعبة لإنذار ناظر الجهادية لإنصاف الضباط المصريين الوطنيين الذين يعملون في السودان أكثر مما تسمح به القوانين الخاصة بالتناوب بين المصريين والشراكسة والمتمصرين. وطالب بأن تكون أقصى مدة للضابط المصري سنتين بعدها يستبدل بالمصري ضابط شركسي بدلا من مكوثه أربع سنوات دون استبدال أو استبدال مصري آخر لا سند له من أمير أو شفاعة من وزير، وشعبة أخرى لإنذار ناظر الحقانية، وثالثة للمالية ورابعة للأشغال، وغيرها لباقي النظارات والمصالح الأميرية لإحقاق الحق وإقامة العدل مع الموظفين المصريين والمساواة في الرواتب مع غير المصريين. وقامت الشعب بواجباتها خير قيام.

بلغ توفيق الأمر. وكان لا يبالي قبل ذلك بالماسونية. وجزع من تحويل الأفغاني لها إلى حركة وطنية مصرية. فتردد في زيارة الأفغاني له. ثم استدعاه الخديوي وأخبره أنه يحب الخير لكل المصريين ويبغي تقدم مصر. ومع ذلك قد تضر أفكار الأفغاني الثورية الشعب المصري؛ لأنه ما زال قاصرا عن فهمها كما هي العادة في فرض وصايا الحكام على الشعوب. دافع الأفغاني عن شعب مصر وأن من بينهم العقلاء والعلماء، وطالبه باشتراك الأمة في حكم البلاد. فهذا أثبت للعرش. ولم يرض الخديوي بكلامه وأضمر له الشر. واستأنف الأفغاني خطبه في المحفل الماسوني لتعليم الجاهل واستنفار الخامل وحث المستمعين على الدفاع عن حقوق الشعب المهضومة. وكان في مقدمتهم أديب إسحاق، طراز العرب وزهرة الأدب كما كان يسميه الأفغاني، أقرب التلاميذ إلى قلبه وهو النصراني، وكان يمسك بتلابيب محمد عبده صارخا فيه

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٨