بالرغم من تأكيد الأفغاني على العلم وأهميته إلا أن الدين له الأولوية القصوى. فهو سبب الصلاح والفلاح، وتركه سبب الانهيار والهلاك. وأوروبا تقدمت بالعلم والقوة وإن تركت الدين يأسا من إصلاح رجاله. الدين هو كل شيء تقريبا في فكر الأفغاني، مرشد للحياة، ومشرع للقوانين ومكتشف للعلوم، ومنظم للطبيعة، وكأن الدين غاية في ذاته وليس مجرد وسيلة لغاية أخرى هي سعادة الفرد وكمال المجتمع. بل يبدو الأفغاني أحيانا معليا من شأن الدين على حساب العلم في رده على رينان. وقد يصل فهم الدين إلى حد التصوف بالرغم من نقده التصوف على أساس أنه مصدر التواكل والكسل. فقد بدأ الأفغاني صوفيا مثل محمد عبده. ويرى أن التصوف موجود في كل دين، وقد يكون هو أساس وحدة الأديان وإن اختلفت الصور والألفاظ، موجود في التوراة متخفيا، وفي الإنجيل بعد أن أول المسيح الناموس تأويلا روحيا. التصوف مذهب الحكماء والعقلاء ترويضا لنفوسهم. يعكس كالمرآة نور الشمس. وهو ما اتهم بسببه بالقول بالحلول مع أنه انعكاس صورة تجلت لشفافية المرآة، وهو ما يسمى بالشطحات عند ابن عربي والخواص والجنيد والحلاج والجيلي وابن حشيش والسهروردي والبكري. ظاهرها تناقض فيما يتعلق بالحلول الموضوعي أو الذاتي ولكن المعنى واحد.
4 (3)
لا يكفي المدخل الأخلاقي لبناء الفرد والمجتمع ولإقامة النظم القانونية والسياسية. صحيح أن الأخلاق هي الأساس ولكن الاكتفاء بالفكر الأخلاقي كنظرية اجتماعية وسياسية في حاجة إلى تطوير، والتحول من الفكر الأخلاقي إلى البنية الاجتماعية والأيديولوجية السياسية. لا يكفي أن يقال إن محرك التاريخ ثلاث فضائل: الحياء، والصدق، والأمانة. فلماذا هذه دون غيرها؟ وأين العوامل المادية في تحريك التاريخ؟ ولا يمكن تفسير الظواهر بعامل واحد أخلاقي أو فردي دون باقي العوامل. ليست قائمة الفضائل مفتاحا سحريا يحل كل مشاكل المجتمع وهي الرذائل؛ فالمشاكل الاجتماعية أكثر تعقيدا وتحتاج إلى حلول أكثر تداخلا وتباينا. لا يكفي تصور الاستعمار على أنه انحلال يمكن مقاومته بالأخلاق، وأن المادية رذيلة يمكن مقاومتها بالفضيلة، وأنها تجعل الإنسان حيوانا، وأن الاشتراكية اشتراك في الأموال والأبضاع وإباحية. فهي تصورات شائعة شعبية كانت رائجة في الصحف الدينية المحافظة. ولا تكفي كتحليل علمي وتاريخي دقيق للاستعمار كحركة تاريخية وللمذاهب السياسية كأيديولوجيات علمية. (4)
عبر الأفغاني عن التيارات الفكرية التي كانت موجودة في القرن التاسع عشر في الغرب خاصة المادية والداروينية والاستشراق، فكان ضحيته، ولم يستطع تجاوزه. فالمادية والداروينية إلحاد وانحلال. والاستشراق نموذجه رينان الذي ينكر على العرب وعلى الساميين كلهم أصالتهم العلمية طبقا للنظرية العنصرية. فالمفكر ابن عصره، ولكنه أطلق الأحكام على المذاهب والتيارات دون أن يقيدها بظروف عصرها. وربما كانت الدعوة إلى العلم «الوضعية» والقوة «نيتشه» والتطور «دارون» أخص ما يميز روح القرن التاسع عشر. وتكون مهمة الأجيال التالية في الإصلاح نقل الأفغاني من الجو الفكري في القرن الماضي إلى الجو الفكري في هذا القرن بكل ما فيه من تحولات، من الاستعمار البريطاني القديم إلى الاستعمار الأمريكي الجديد، ونشأة الصهيونية وإقامة دولتها في فلسطين، وانهيار النظم الشرقية، وبزوغ أفريقيا وحركة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا. (5)
بالرغم من نقد الأفغاني الغرب الاستعماري المهيمن والمسيطر على الشرق إلا أن الغرب لديه كما هو الحال لدى رواد عصر النهضة بتياراته الثلاثة: الإصلاح الديني عند الأفغاني، والليبرالية عند الطهطاوي، والعلمية العلمانية عند شبلي شميل، هو نمط التحديث ونموذج التقدم والقدوة في الرقي والعمران، وكأن لسان حاله يقول: فداوني بالتي كانت هي الداء، وقد أدى ذلك الانبهار بالغرب بعد مائة عام إلى مزيد من التغريب حتى نشأ رد الفعل السلفي عليه وشق الصف الوطني بين العلمانية والسلفية إلى حد الاقتتال في الجزائر وتهديد وحدة الدولة في تركيا والتخوين والتكفير المتبادلين في مصر وتونس والعراق وسوريا وشبه الجزيرة العربية. فهل يمكن لجيل جديد أن يحول الموقف من الغرب من نطاق المواقف الانفعالية، الانبهار بالغرب أو رفض الغرب إلى أن يصبح الغرب موضوعا للعلم بدلا من أن يكون فقط مصدرا للعلم؟ ألا يمكن أن يتعود العرب المحدثون دراسة الغرب، نشأة وتطورا، تكوينا وبنية كما درس القدماء اليونان والصين، وأن يؤسسوا علم الاستغراب في مقابل الاستشراق، وأن يصبح الوعي العربي ذاتا، والغرب موضوعا، بدلا من أن يكون الغرب ذاتا والعرب هم الموضوع؟ ألا يمكن التعامل مع الغرب من موقف الندية المعرفية كمقدمة للندية السياسية والاقتصادية والعسكرية؟