تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأبيض والإسلام الأسود . (7)

الدعوة إلى الطموح والأمل وطلب المجد ونيل الأعالي وعدم الاكتفاء بالسفوح، وعدم الرضى إلا بقمم الجبال ضد روح اليأس والإحباط والتشاؤم التي سيطرت على الناس. وهذا هو معنى أداء الرسالة التي أشفقت منها السموات والأرض والجبال وحملها الإنسان. لذلك ركز الأفغاني على ارتباط العمل بالنظر، وأن النظر بلا عمل طبل أجوف. وقد انتشرت روح اليأس والإحباط في هذا الجيل بعد أن بدأ التفريط في الاستقلال الوطني وفي القضية الاجتماعية وفي قضايا الوحدة والهوية، وبعد أن تقلص المشروع القومي إلى مصالح قطرية، وتغيرت الثوابت التاريخية في المنطقة، مناهضة الاستعمار والصهيونية إلى تحالف معهما. لقد تغيرت مثل هذا الجيل عدة مرات، من الليبرالية إلى الاشتراكية والقومية إلى الرأسمالية والقطرية، وكل بديل جديد يهدم البديل القديم حتى تحطمت المثل كلها ولم يعد هناك إيمان بشيء ولا حتى بالقضية. فوجد الناس في الدين ملاذا

كل شيء هالك إلا وجهه .

1 (8)

التمييز بين الدين ورجال الدين من أجل تخليص الدين من السلطة الزائفة التي تتحدث باسمه وتسيطر عليه وتحتكر تفسيره، وتتسلط على رقاب المؤمنين. فآفة الدين رجاله. لذلك ثارت البروتستانتية ضد الكنيسة. والأفغاني يوحد بينه وبين مارتن لوثر في الهدف والقصد والغاية. فهو لوثر الشرق. وبالتالي استطاع الأفغاني أن يعبر عن روح الإسلام والعلاقة المباشرة بين الإنسان والله، ويبرز تجربة الإسلام في التاريخ التي كانت رد فعل على تأليه الأحبار والرهبان واتخاذهم أربابا من دون الله، وتسلط رجال الدين في الكنيسة والمعبد على رقاب الناس، يحللون ويحرمون طبقا لأهوائهم أو إرادات الحكام. ففقدوا مصداقيتهم أمام الناس.

2

يصدرون الفتاوى المتناقضة طبقا لرغبات الحكام. فإذا ما أراد مقاومة الصهيونية جاء الإسلام متفقا مع اللاءات الثلاثة، لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات. وإذا أراد الحاكم الصلح خرجت فتوى مؤيدة لذلك اعتمادا على صلح الحديبية

وإن جنحوا للسلم فاجنح لها .

3

ومع ذلك، فالأفغاني بعد مائة عام في حاجة إلى تطوير على النحو الآتي: (1)

تقوية الجانب النظري فيه حتى يصبح أكثر مطابقة وسندا للجانب العملي. ربما كان «الرد على الدهريين» صحيحا في ظروف عصره إذ ارتبطت المادية بأحمد خان المرتبط بالإنجليز والذي روج هذا المذهب بدعوى تأسيس العلوم الطبيعية. كما عبر عن روح القرن التاسع عشر وثورة المتدينين ضد المذهب الذي رمز إليه دارون، وكان مقياس النقد إنكار الألوهية والخلق والمعاد والشرائع الثابتة، وبالتالي خطورة نتائجه مثل الإلحاد والإباحية والعدمية. ولا يعتبر فولتير وروسو من الدهريين العدميين مع الاشتراكيين. والطهطاوي يعتبرهما مع مونتسكيو من كبار العقليين، ويعتبر مونتسكيو ابن خلدون العرب، وابن خلدون مونتسكيو فرنسا، وأنه يقيم فهمه للشرائع على قاعدة الحسن والقبح العقليين. والمذهب الطبيعي موجود في كل حضارة، عند أصحاب الطبائع من المعتزلة القدماء. ربما ما يحتاجه المسلمون اليوم هو الرد على المثاليين والرجعيين والأصوليين والمحافظين والسلفيين الذين جعلوا الإسلام مجرد عقائد وشعائر، مظاهر ورسوم دون الالتفات إلى الجوهر والمضمون. ربما ما نحتاجه اليوم هو

دفاعا عن الدهريين

حتى يلتفت الناس إلى الطبيعة ويتوجه العقل نحوها فيبدع علوما رياضية وطبيعية كما أبدع القدماء. وعلى هذا النحو يمكن أن يكون الأساس النظري مطابقا للمشروع العملي. فبالطبيعة تكون القوة وعليها يتأسس العلم. كما أن الاكتفاء بإعادة تأويل عقيدة القضاء والقدر تدفع إلى الشجاعة والإقدام والمجازفة بالمخاطر وارتكاب الصعاب والأهوال لا يكفي في تجاوزها إلى خلق الأفعال وإثبات حرية الإرادة، والتحول من الأشعرية إلى الاعتزال. كما أن محاولة إعادة بناء العقيدة على ثلاث منها، أن الإنسان أشرف ما في الكون، أن الأمة أشرف الأمم، وأن الدنيا ممر إلى عالم آخر ربما لا تكفي أيضا؛ لأنها تسقط الألوهية كلية ولا تحيلها إلى فاعلية في الأرض والخبز والحرية والأمة والتاريخ. كما أن اعتبار الأمة أشرف الأمم بلا شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يوقع في العنصرية. أما اعتبار الدنيا ممرا إلى الآخرة فلا يحدد اتجاه الغائية ويتركها إلى ما بعد الموت دون إبراز أهميتها في الدنيا. لم يستطع الأفغاني إعادة بناء نسق العقائد كله لاستعماله كأساس نظري للثورة. أبقى على تصورات العقائد القديمة، واندفع نحو الخطابة السياسية. فلم تتغير العقائد ولم تغن الخطابة السياسية عن تأسيس الإسلام كعقيدة ثورية قادرة على أن تكون أساسا نظريا للمشروع الثوري. (2)

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٨٢