تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5 (6)

ما زالت أداة التغيير الأثيرة عند الأفغاني هي السلطة السياسية طبقا للقول المأثور عن عثمان

إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن . لذلك يتوجه الأفغاني إلى الحكام، السلطان عبد الحميد، خديوي مصر، شاه إيران، ملك أفغانستان. فقد عمل من خلال السلطان عبد الحميد ومبايعته ثم خلع البيعة، وأمير أفغانستان عبد الرحمن خان، وشاه إيران للتوحيد بين إيران وأفغانستان، وعباس حلمي خديوي مصر. كما يعمل من خلال النخبة المثقفة والصفوة العالمة من الأزهر والقواد والأمراء أهل العلم والقوة بالرغم من دعوته إلى الجماهير وتثويره للشعوب وندائه على المسلمين الذباب الذي يصم طنينه آذان بريطانيا، أو الجراد الذي يغرق الجزيرة البريطانية بثقله وكثرة عدده. كما لم يحل قضية ازدواجية السلطة السياسية والسلطة الدينية، وهل وظيفة الثانية إرشاد الأولى دون توقع الصدام بينهما ورغبة كل منهما في السيطرة على الأخرى، مما أدى إلى الفصل بينهما في العلمانية الغربية الحديثة، دون التوحيد بينهما كما تبغي الحركة السلفية المعاصرة. صحيح أنه من كبار الداعين للديموقراطية والشوري والدستور إيجابا مما أدى إلى تعثرها. ولم يستطع القضاء سلبا على الجذور التاريخية والثقافية التي تمنع من الحرية والديموقراطية في وجداننا المعاصر.

6 (7)

ما زال يغلب على فكر الأفغاني تقنين ما ينبغي أن يكون أكثر من تحليل ما هو كائن، وأسلوب الماينبغيات والواجبات مما يجعل من الصعب التمييز بين العلم والأخلاق، بين الواقع والمثال، بين الممكن والواجب، بين الوصف والمعيار، بين الفرع والأصل. وهي طبيعة الفكر التقليدي الذي يتصور الوحي على أنه نمط مثالي مستقل عن الواقع والتاريخ وليس حركة فاعلة فيه. من السهل صياغة خطاب أخلاقي يعبر عن أشواق الناس وتمنياتهم. ومن الصعب تحليل الواقع الموضوعي ومعرفة مكوناته وفعالياته ومساره. لذلك ندر أن يكون من بين المصلحين علماء اجتماع وليس علماء دين. فعالم الاجتماع هو الذي يبدأ من الواقع الاجتماعي، ويضع له تخطيطا من أجل التغيير الاجتماعي. الإصلاح الديني بمعنى ما ينبغي أن يكون مفيدا في مرحلة اليقظة ولكن يصبح مجرد خطابة في مرحلة التغير الاجتماعي. ويجوز في مرحلة الثورة ولكن يعجز عن أن يتحول إلى مرحلة الدولة التي تتطلب التحول من الإصلاح الديني إلى العلم السياسي. إن الوحي ليس فقط مثالا بل واقع. ولا يصف فقط ما ينبغي أن يكون بل أيضا ما هو كائن.

7 (8)

يغلب أسلوب الخطابة والحماسة والنداءات والأوامر. كما حضرت التشبيهات والصور البلاغية والأساطير والرموز، وتشبيهات الصحة والمرض والداء والدواء والجسم الحي. كما امتلأ بالشعر للاستشهاد به. فالشعر في الوجدان العربي ما زال يقوم بدور القرآن والحديث والأمثال. كما غلبت العبارات القصيرة والمواعظ المركزة التي يسهل حفظها ونقلها شفاها، وهي من جوامع الكلم. ولا فرق في ذلك بين القرآن النص والقرآن الحر. فالإنسان خلق جهولا، خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا.

8

وهي كلها أساليب بلاغية في الخطاب الإصلاحي يتفق مع المضمون الفكري والهدف الشعبي. وربما يحتاج الأمر بعد مائة عام إلى التحول من القول الخطابي والقول الجدلي إلى القول البرهاني بمصطلحات ابن رشد من أجل مزيد من الإحكام للخطاب الإصلاحي حتى يتحول إلى خطاب علمي كما هو الحال في العلوم الإنسانية. فالإصلاح والتحديث والتغير الاجتماعي أصبحت الآن من الموضوعات الرئيسية في علم الاجتماع بكافة فروعه خاصة علم الاجتماع السياسي، علم اجتماع الثقافة، علم اجتماع المعرفة.

إن الشعوب الآن تعي مصالحها، وانتهت مرحلة اليقظة. ولكنها تبحث الآن عن وسائل التحقيق وطرق العمل، ومناهج للتفكير، ولأنواع جديدة من الخطاب السياسي والثقافي. فهل يستطيع الأفغاني بعد مائة عام أن يبعث من جديد في أحفاده، وتعاد صياغته بحيث تعود إلى حركة الإصلاح حيويتها الأولى من أجل تجاوز الاستقطاب الحالي بين الخطابين السلفي والعلماني، وحشد الجماهير بثقافة جديدة، وتقوية الدولة برؤية جديدة لدورها في الداخل والخارج، وإكمال المشروع الإصلاحي التحرري الوطني المتحد مع المشروع التحرري القومي من أجل النهوض بالإصلاح بعد كبوته وإقالة حركة التحرر الوطني بعد عثرتها، وإدخال هذا الجيل كله من جديد داخل حركة التاريخ؟

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٨٤