إدراكه الخطر الأول على الأمة، الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل، وتجميعه قوى الشرق كلها باعتبارها قلب العالم الإسلامي في مواجهة قوى الغرب، حتى يقابل التحرر بالاستعمار، والثورة بالهيمنة دفاعا عن الأوطان والأقاليم مع بؤر متعددة للوحدة ابتداء من مصر، جنوبا مع السودان، وشرقا مع إيران والهند، وشمالا مع الشام وتركيا، وغربا مع المغرب العربي أو ابتداء من وحدة آسيوية، وحدة الفرس مع الأفغان. لا فرق بين الإسلام والوطن، بين الدفاع عن الإسلام والدفاع عن الأوطان قبل أن تظهر القومية بينها لإيقاع تناقض مفتعل بين الإسلام والقومية أو بين القومية والوطنية. فالإسلام في العصر ثورة، وليس مجرد شعائر أو طقوس أو عقائد أو شرائع. وقد كان المسلمون القدماء ثوارا على أوضاعهم الطبقية والقبلية، الإسلام يهدف إلى تغيير الأمر الواقع وليس تثبيته. هو جزء من الحراك الاجتماعي وليس الثبات الاجتماعي. هو رفض لأوضاع الاحتلال والقهر والفقر والتجزئة والتبعية والتغريب، واللامبالاة. وإذا كان في الخلق الكوني ليس في الإمكان أبدع مما كان فإنه في الإبداع الإنساني هناك باستمرار في الإمكان أبدع مما كان. الإسلام كما قال سيد قطب فيما بعد حركة إبداعية في الفن والحياة. ولا إبداع بلا تغيير ورفض ومقاومة واعتراض وغضب. وكأن الأفغاني يضع كوجيتو جديدا ليس «أنا أفكر فأنا إذن موجود»، بل «أنا أثور فأنا إذن موجود». (5)
البداية بالواقع المباشر وإعادة بناء التراث القديم طبقا لمتطلباته، وأخذ موقف من الغرب طبقا لحاجاته. والواقع في حاجة إلى تنوير ويقظة وحركة. لم يكن الأفغاني نصيا، يبدأ من النص إلى الواقع بل كان واقعيا يبدأ من الواقع إلى النص. لم يقرأ الواقع والنص مرآة فوق عينيه سواء كان نصا من القدماء أو نصا من الغرب الحديث، بل رأى الواقع مباشرة وحوله إلى نص جديد. ومن ثم يبدأ الأفغاني باعتباره أصوليا ليس من القرآن فالسنة فالإجماع فالقياس كما هو الحال في الترتيب التقليدي القديم لمصادر الشرع الأربعة، بل يبدأ من الاجتهاد فالإجماع فالسنة فالقرآن حتى يشجع المسلمين على الاجتهاد. والواقع هو أساس النص ومصدره كما هو معروف في أسباب النزول. الواقع يسأل والوحي يجيب. والواقع يتغير والشرع يتغير معه طبقا للقدرة كما هو معروف في الناسخ والمنسوخ. والواقع في النهاية لفظ قرآني يصف صدق الوعيد
إن عذاب ربك لواقع . وهو أحد أسماء يوم القيامة في
الواقعة . (6)
تفجير الثورة العرابية بفضل تلاميذه، أحمد عرابي وعبد الله النديم، واشتراك محمد عبده فيها أولا ثم ارتداده عنها، والدعوة إلى إنشاء المدارس الوطنية والجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني بلغة العصر التي تقاوم التغريب والتعليم الرسمي الخالي من هموم العلم والوطن، ولا يقوم إلا على التقليد والتلقين من ناحية، أو الإعجاب بالغرب من ناحية أخرى. وقد تفجرت ثورة 1919م بفضل تلميذه سعد زغلول. فالثورة الوطنية جزء من الثورة الإسلامية، وهي الثورة التي توحد فيها المسلمون والأقباط؛ فالدين واحد، يبعث على الخير والصلاح. وهي الثورة التي جمعت بين وعي النخبة وحركة الجماهير في مواجهة الإنجليز والتي انتهت بالحصول على الاستقلال. كما ارتبطت ثورة 1952م به عن طريق بعض الضباط الأحرار من الإخوان المسلمين تلاميذ حسن البنا، تلميذ رشيد رضا، تلميذ محمد عبده، تلميذ الأفغاني. وقد أشاد
الميثاق الوطني
في 1963م بجذور النضال الوطني لدى رواد الحركة الإصلاحية وفي مقدمتهم الأفغاني رائدها الأول. وما زال الإسلام السياسي يحمل لواء المقاومة ضد الاحتلال في جنوب لبنان وفلسطين، وضد القهر في الداخل. واستطاع الانتصار في أفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك وجنوب أفريقيا، وما زال يمثل تحديا كبيرا للغرب والولايات المتحدة بالإسلام