25
وهكذا تنتهي ملحمة التاريخ عند الأفغاني تشدها الخطابة أحيانا نحو السلفية في الماضي ويرجعها العقل أحيانا أخرى نحو الإصلاح في المستقبل.
الفصل الثامن
| الخاتمة
الأفغاني بعد مائة عام
هناك أشياء باقية في الأفغاني بالرغم من مرور مائة عام، أهمها: (1)
الشجاعة على نقد القدماء، ورفض التقليد والدعوة إلى الاجتهاد. فالتراث القديم ليس مقدسا بل هو من إبداع أجيال ماضية. هم رجال ونحن رجال، نتعلم منهم ولا نقتدي بهم. والعيب فينا إذا لم نجدد ونبدع وليس فيهم إذا كان اجتهادهم قد تجاوزه الزمان. ويتميز إبداع الأفغاني بأنه حر طليق يتجاوز القياس الفقهي القديم، تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لتشابه بينهما في العلة على نحو آلي ثابت، إلى التحام مع الواقع وإدراك قوانينه ومرحلته التاريخية بناء على روح الإسلام وقوته في التاريخ. وهي الروح التي بدت في أول
رسالة التوحيد
لمحمد عبده لإثبات أن علم الكلام تاريخي خالص خضع للظروف السياسية في عصره وليس علما مقدسا، وقد كان عيب الأجيال اللاحقة عندما خلطت بينه وبين العقيدة. وما زالت مدرسة التجديد عند طه حسين، وأمين الخولي، وخلف الله محمد خلف الله، وسيد قطب، ونصر حامد أبو زيد، ومحمود إسماعيل، وسيد القمني، تعاني من تضييق الخناق على التجديد باسم التقليد. (2)
تحويل القرآن إلى تجارب فردية واجتماعية وقوانين للتاريخ بحيث يمحى الفرق بين الوحي والواقع؛ فالقرآن خلاصة تجربة البشر كما يرويها في قصص الأنبياء وكما يصوغها في بعض القوانين، مثل
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ،
وكان حقا علينا نصر المؤمنين . وبالتالي ساهم الأفغاني في بلورة فلسفة في التاريخ ما زالت ناقصة في تراثنا الفلسفي القديم. وحاول التعرف على سنن الله في الكون ووضع الآية في التاريخ وتحقيب دورانها. وقد جعل الأفغاني هذه القوانين في العقل والتاريخ، في الذات والموضوع، في النفس وفي الآفاق
وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون ،
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق . واستعمل الأفغاني الآيات استعمالا حرا بحيث تعبر أدبيا وفكريا عن أحوال العصر. إن عظمة الوحي في أنه يعبر عن خلاصة تجارب البشر، وإعجاز آياته أنها صياغات ثابتة لقوانين التاريخ. فالوحي واقع يتحرك، وتاريخ يسير، والواقع وحي يتحقق، ويتراكم في التاريخ. إن الوحي علم الله والتاريخ إرادته، وبالتالي أمكن للأفغاني تجاوز تقابل القدماء بين أولوية الإرادة على العلم «الغزالي» وأولوية العلم على الإرادة «ابن رشد»، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن. كما أمكن للأفغاني تجاوز التقابل الشائع بين التاريخ الإلهي والتاريخ البشري، بين مدينة الله ومدينة الأرض كما يقول أوغسطين إلى تاريخ واحد يكون فيه التاريخ التقاء الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية، تحقيق مدنية الله في الأرض نهضة أو انحسارها عنها سقوطا. (3)
الدفاع عن أصالة الأمة ودورها في العلم والحضارة من أجل مساعدتها على نبذ التقليد، ودعوتها إلى التعرف على أسباب إبداع القدماء وحتى يقضي على الإحساس بالدونية تجاه الآخرين، وتأكيد عزة النفس والكرامة، والقضاء على ثنائية المبدع والناقل التي ميزت علاقتنا بالغرب الحديث. هو يبدع ونحن ننقل حتى تحول الغرب في وعينا إلى معلم أبدي وجعلنا أنفسنا تلميذا أبديا، مع أنها دورات بين الشعوب والحضارات. كنا معلمين فأصبحنا تلاميذ، وكان الغرب تلميذا فأصبح معلما،
وتلك الأيام نداولها بين الناس . ومن لا تاريخ له لا مستقبل له، ومن لا ماضي له لا حاضر له. وهو أكبر رد عملي على تهمة تخلف المسلمين بسبب دينهم. فبهذا الدين أصبح القدماء روادا للعلم تأكيدا على وحدة الوحي والعقل والطبيعة، وقدرة الوحي على التوجه بالعقل نحو العلوم الرياضية والطبيعية. (4)