تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأمة في التاريخ، والتاريخ هو الزمان، حركته نحو الماضي ونحو المستقبل. الحركة نحو الماضي تنشئ الحركة السلفية وتقليد الأسلاف، والحركة نحو المستقبل تنشئ الحركة التقدمية والرغبة في التجديد. فالمسلم الآن يعجب بماضيه، ويغفل عن حاضره ومستقبله، في حين أن الغربي يهتم بحاضره وبمستقبله أكثر مما يعكف على ماضيه.

23

ويقارن الأفغاني بين السلف والخلف في الخطبة، ويجد أن خطبة السلف خير من خطبة الخلف مما يقوي الموقف السلفي. ففي مقاله عن

سنن الله في الأمم

بالرغم من أن العنوان يوحي بقوانين التاريخ إلا أن المضمون في حسن البلاغة والخطاب والإيجاز في البيان للخلفاء الراشدين، مثل خطبة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة عن العقد بين الحاكم والمحكوم، وموعظته لأسامة بن زيد أمير الجيوش عن تحريم التدمير والقتل للزرع والنساء والأطفال والشيوخ في الحرب، ووصية عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري في كيفية القضاء وضرورة الاعتماد على القياس، الأشباه بالأشباه والنظائر بالنظائر، ووصيته إلى أمير الجيوش سعد بن مالك بن وهب إلى العراق، ووصيته لعتبة بن مروان إلى البصرة وللمغيرة بن شعبة ثم لعزله، وقوله لعمرو بن العاص عن خلق الناس أحرارا. ويقارن الأفغاني بين الماضي والحاضر، خطبة القدماء وخطبة جامع البصرة مكتوبة دون قواعد ودون مضمون.

24

ولما كانت اللغة عنوانا للفكر وكاشفة لمضمونه فإن اختيار الأفغاني لبنية الخطاب القديم المركز الدال وبنية الخطاب الجديد المسهب الذي لا يحيل إلى شيء له دلالته على أدبيات اللسان ونهضة الأقوام. وكيفية الكلام تكشف عن كيفية الفكر ومدى الالتزام بالواقع أو الخروج عنه. وقلة الكلام قد تعني التوجه نحو الفعل. وكثرة الكلام قد تعني العجز عن الفعل. والتركيز في الكلام قد يعني صدق الفكر، والإسهاب فيه قد يعني النفاق والكذب والإلهام. لذلك نهض القدماء وسقط المحدثون.

وإذا كان حاضر الأمة ليس فقط موزعا بين شد نحو الماضي وانجذاب نحو المستقبل، فإن تاريخ الأمة أيضا موزع بين حركتي النهضة والسقوط. ويحاول الأفغاني معرفة الأسباب التي حولها تلميذه شكيب أرسلان إلى سؤاله الشهير: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ لقد نهضت الأمة بفضل الإسلام ثم انهارت بعد أن تركته. وهي الآن تعود إلى النهضة من جديد بفضل حركة الإصلاح. فهناك ثلاث مراحل: النهضة في القرون السبعة الأولى، والسقوط في القرون السبعة الثانية، ثم الإصلاح بداية من القرون السبعة الثالثة طبقا للتصور الحيوي للتاريخ ودورانه بين الحياة والموت. لذلك يشبه الأمة بالبدن كما فعل الفارابي وإخوان الصفا من قبل في حالتي الصحة والمرض والعودة إلى الصحة من جديد. فالإصلاح يمثل فترة ثالثة للأمة في التاريخ يريد اللحاق بفترة نهضتها الأولى وتجاوز فترة سقوطها الثانية. وهو سعي نحو الكمال الإنساني. ويضع الأفغاني تقابلا بين مرحلتي النهضة والسقوط على النحو الآتي مبينا أسبابهما: الوحدة في مقابل افتراق الكلمة، المستقبل في مقابل الغفلة من العاقبة، الجهاد بدلا من الركون إلى الراحة، الإحساس بالرسالة بدلا من الافتتان بنعيم الدنيا، التحرر بدلا من الاستعمار والخضوع للأجنبي. وللانتقال إلى النهضة الأولى عن طريق الإصلاح، هناك عدة وسائل: إلهام النخبة، والسعي نحو الكمال من الجميع، والرجوع إلى أصول الدين. فلا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها كما هو الحال في الحركة السلفية، والجمع بين الحضارة والملك كما كان المسلمون في سيرتهم الأولى دون الاكتفاء بالحضارة ويكون الملك للأجنبي يستنزف ثروات البلاد كما هو حادث في تجربتي تركيا ومصر. فلا بد من سلطان قاهر يقود الناس إلى الثورة أو يأخذهم بالتدريج. هذا بالإضافة إلى الأدوات العلمية مثل الجرائد الوطنية والمدارس الحديثة دون تقليد للغرب بلا فهم والتشدق بألفاظ غريبة، وتقديم علم بلا وطن، ونسيان الأصول الدينية، وبالتالي فإن ترك ما كان سببا للصعود يؤدي إلى الهبوط والسقوط.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٧٩