تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين . هذا قانون تاريخي يمكن للعقل استنباطه بعد رؤية حوادث التاريخ. فالعقل يستدل على سيطرة الإنجليز على ممالك الهند بالقوة والحيلة وكذلك روسيا. كما يستدل على وحدة النضال ضد الاستعمار، الثورة المهدية، والثورة العرابية، ونضال الهند ومقاومة الاستعمار وأيضا مثل

ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم . ويستطيع العقل أن يستدل على أن التفرق ضعف، وتستطيع التجربة أن تثبت أن الوحدة قوة، ومن هنا لزمت وحدة الأفغان والفرس والهند ومصر والسودان وسوريا. وأيضا

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، فالتغير من الداخل إلى الخارج وليس من الخارج إلى الداخل، من الفرد إلى الجماعة وليس من الجماعة إلى الفرد طبقا للنظرة المثالية للعالم.

20

ويمكن الاستدلال على قانون التاريخ بالعقل الصريح؛ مثل

لا يجتنى الشهد من الحنظل . فالنتائج من نوع المقدمات،

الأعمى من يظن الناس بدون أبصار . فالإنسان يقيس الآخرين بمقياس نفسه،

من ثابر وكابر على تجربة الضار أولى أن يتخذ عبرة . فالعبرة من الضرر أقوى من العبرة من النفع،

القبة الجوفاء لا ترجع الصدى . تعبر عن عدم التطابق بين الداخل والخارج وبالتالي الكذب والنفاق والازدواجية والمداهنة والتزلف. فلا فرق بين مستويات القانون، في الطبيعة وفي النفس وفي التاريخ.

والله لا يتدخل في التاريخ مباشرة ولكن علمه وإرادته وصفاته هي قوانين التاريخ. فالعدل ليس صفة لله فقط أو اسما من أسمائه الحسنى بل هو قانون للتاريخ. وكذلك صفات الحكمة والسلام والعزة كلها قوانين للتاريخ؛ فالتاريخ ليس مجرد مادة صماء بل يسري فيه الروح والعقل. الروح والعقل في التاريخ. تهبط في بخارى وتحرك الشعوب. والقوانين الطبيعية والشرائع السياسية والاعتقادات الدينية والصراعات السياسية وانتصار الأقوياء على الضعفاء كل ذلك من قوانين التاريخ. الصفات والأسماء الإلهية التي هي جماع الفضائل قوانين للتاريخ ومقومات نهضته. وهو ما يسمى في الإلهيات العناية الإلهية.

21

قوانين التاريخ هي سنن الله في الكون

سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا . ولكنه لا يتحقق من نفسه بل من خلال إرادات البشر. لا يتحرك التاريخ إلا بتقابل قانونين، القانون الموضوعي للتاريخ والقانون الذاتي لإرادات البشر، نخبة وجماهير، قلة وكثرة. ضرورة التاريخ وفطرة البشر. الموضوعية والذاتية شرطان لحركة التاريخ؛ فقد نشأت الأمة الإسلامية بفضله، جماعة مؤمنة، جيل قرآني فريد كما يقول سيد قطب. لذلك كانت فعاليات التاريخ بالإضافة إلى القانون الطبيعي الموضوعي العقل والدين والجهاد وما تتضمنه من قيم وفضائل أخلاقية وسياسية مثل الوحدة والعلم والإخلاص.

22

والصراع السياسي أتون التاريخ وميدان تحققاته. والسياسة هي ميدان المصالح المتصارعة. لذلك ارتبطت السياسة بالتاريخ. فالنظام السياسي الصالح شرط البقاء في التاريخ للأمة. وهو النظام الشوري والذي يقوم على إسناد الأمر إلى أهله، والاشتراكي الذي لا يترك المال دولة بين الأغنياء. والثورة قانون اجتماعي عندما يصل المجتمع إلى حالة اليأس مثل الحالة التي وصل إليها المجتمع المصري والتي لم يعد من الممكن تحملها حتى انفجرت الثورة العرابية. كما أن أحوال الشرق كله أدت إلى استعماره من الغرب ثم ظهور روح التحرر في الشرق للنهضة والثورة ضد الإجحاف بالشرقيين. فالإحساس بالظلم يولد الثورة. والاستعداد للنضال قانون طبيعي فطري يؤكده القرآن في ندائه

وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة

وإن سيادة أمة على أخرى وإذلالها مخالف للطباع والعوائد، والمقاومة لهذا التسلط والذل أمر طبيعي. السيادة الأولى تريد الإفناء والمقاومة، والثانية تريد البقاء. الوعد الإلهي هو قانون التاريخ. ولما كان الوحي لا يخلف؛ فالقانون الإلهي ضروري، نشأت الأمة من لا شيء ونالت كل شيء ثم فقدت كل شيء. وهو قانون للتاريخ، لنهضة الأمم وسقوطها، والأمة الإسلامية مترامية الأطراف حوالي مائتين وثمانين مليونا وهي الآن بليون نسمة من الأطلنطي إلى الصين، ثروات وأراض ولكنها منهوبة ومسلوبة ومجزأة ولا قوة لها. وقيامة الأمة بالفضائل والتمسك بالحق. وانهيارها بالرذائل والابتعاد عنه. يغتصب الأجانب الديار، ويستذلون الأهل، ويسفكون دماء الأبرياء من الإخوان، ولا يتحرك أحد. عدو وفير ومذلة وهوان. فهي أمة أصحاب الملك المسلوب والمال المنهوب.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٧٨