تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل . فلا يعني سفك الدماء بل مجرد التخويف والردع كما يقال في الأسلحة النووية حاليا وكما نص القرآن

ترهبون به عدو الله وعدوكم . وكما قال مولتكه

أبطال الحرب لإبطال الحرب . ولكن عم الجهل، وكثرت التفسيرات للباء والصاد حتى جهل المسلمون الحقائق العلمية مثل كروية الأرض ودورانها حول الشمس ودون أخذ المخترعات الحديثة كالبرق والسكك الحديدية منه حتى لا يكذبه الناس. إنما أشار إلى ما هو حادث وما يمكن حدوثه في المستقبل مع مراعاة العقول والتقريب إلى الأذهان. إذن العنف ليس هو الأصل في التاريخ بل التسامح. والحرب ليست أداة لتحريك التاريخ إلا دفاعا. قوانين التاريخ هي الفضائل والرذائل، للنهضة والسقوط.

18 (3) قوانين التاريخ

وتبلغ ذروة فكر الأفغاني في فلسفته للتاريخ وكيف أنه ميدان للاعتبار ومرآة تكشف صدق النص، وأن الآية القرآنية حصيلة استقراء طويل؛ فالنص والواقع شيء واحد داخل التجربة الإنسانية الفردية والاجتماعية ومقاييس صدقها. وهذا هو معنى الوعد الإلهي ووراثة الأرض ونصر المؤمنين وإظهار الدين. وقوانين التاريخ مثل قوانين الطبيعة حتمية ضرورية؛ لأن العقل أي الروح هو محرك التاريخ وهي الإرادة الإلهية في التاريخ ومساره. وهي سنن الكون، وسنن الله في الأمم. والتاريخ دورات طبقا للتصور الحيوي، بين الماضي والحاضر، بين النهضة والسقوط ثم النهضة من جديد بفضل الإصلاح والرقي والتمدن ووسائله. وللتاريخ فعالياته، العقل والدين والعلم والجهاد. وهو ميدان السياسة والصراع السياسي بين الاستعمار والتحرر، وبين الغرب والشرق.

فالتاريخ مرآة للأفراد والشعوب، يقرءون فيها تاريخ البشرية وخبراتها السابقة، ويستفيدون منه العظات والعبرات. ومن تولى زمام أمور الجمهور لا غنى له عن مرآة وكتاب وتاريخ صحيح. فكما أن المرآة تريه شخصه على علاته هكذا يفعل التاريخ أيضا، ينقل أعماله في حياته وحياته في قوانين التاريخ. وقد نبه القرآن على ذلك في آيات العبرة؛ مثل

أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ،

قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . فالتاريخ للعظة والاعتبار والتذكير والذكرى

وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ،

إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار .

قانون التاريخ إذن هو تجربة نفسية واجتماعية قبل أن تتحول إلى قانون. فالقانون ما هو إلا تراكم الخبرات الفردية والاجتماعية عبر التاريخ. يتحول من خلالها الوعي الفردي الاجتماعي إلى وعي تاريخي. ومقاييس الصدق لهذا القانون متعددة. فمنها العقل والبرهان والقياس والتأمل والتفكير والنظر والتدبر. لذلك طالب القرآن بالبرهان كمقياس للصدق. ومنها أيضا الإحساس الفطري والوجدان والشعور والبداهة الطبيعية. وهو ما سماه القرآن الصبغة

ومن أحسن من الله صبغة ، والفطرة،

فطرة الله التي فطر الناس عليها . ومنها التعليم الشرعي واكتساب العلوم والمعارف. لذلك فضل الله العلماء على غيرهم، وجعل العلماء ورثة الأنبياء. ومنها أخيرا الإلهام الإلهي الذي يهبه الله خاصته، اليقين الداخلي الموضوعي، الحدس الرباني وهو يقين الأنبياء.

19

وبهذا المعنى يستشهد الأفغاني بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية باعتبارها صياغات إلهية لقوانين التاريخ بناء على رصيد طويل من تجارب البشر. فالنص صورة للواقع، والواقع مادة النص، وبتفاعل الصورة والمادة تنشأ حركة التاريخ. الوحي يتحقق في التاريخ، والتاريخ ميدان لتحقق الوحي. وبالتالي يمكن معرفة قوانين التاريخ استنباطا من النص واعتمادا على العقل والبداهة والفطرة. ويمكن معرفته استقراء من حوادث التاريخ. الطريق الأول سماه القدماء التنزيل، والثاني التأويل. وتطابق الطريقين تصديق للوحي. ويمكن صياغة قوانين التاريخ بالمنقول والمعقول حول العدل في التاريخ ووراثة الأرض للمؤمنين، وتحقيق الوعد الإلهي، والنصر للمؤمنين، وإظهار الحق على الباطل، وتحقيق العزة للمؤمنين، وعدم تغيير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وذلك مثل

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٧٧