16
والحروب أقبح ما اخترعه الإنسان في الأرض. وهي وحدها أحق الأعمال بالكتمان لفظاعتها. بينما العلم أفضل ما اخترعه الإنسان الذي أدى إلى التقدم والعمران عند الإنجليز والفرنسيين والألمان والأمريكيين. ولكن في مقابل ذلك ترجح كفة ويلات الحروب على العلم عندما يتحول العلم والمدنية والرقي إلى جهل ووحشية وهمجية، ويتحول الإنسان إلى حيوان بل أحط منه لعدم استفادته من حقيقة العلم. الحروب أكبر دليل على ذلك فلم تقف الحيوانات بعضها أمام بعض كما يقف الإنسان أمام أخيه الإنسان، والدول أمام بعضها البعض بالقتل والدمار. وقد نبه القرآن على ذلك بقوله
وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة . فاعترضت الملائكة بأن الإنسان يسفك الدماء
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، والملائكة يريدون فهم السر دون عصيان الله
لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . لذلك أخبرهم الله
إني أعلم غيب السموات والأرض . وفضل آدم بالعلم
وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ، وجاء في القرآن تعظيم العلم الصحيح.
هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ،
وما يعقلها إلا العالمون . العلم الصحيح يؤدي إلى السلام والمدنية والعمران وليس إلى الحروب والدمار، مرة باسم الوطن والوطن بقعة من الأرض. ولو أنصف الناس لوسعتهم الأرض وهم لها تاركون وفي جوفها داخلون. فالأولى أن يعيش الإنسان مع أخيه الإنسان فوقها، ولا يحتاج لتوقف الحروب إلا توقف الأمة عن الاستجابة لها وتحكيم العقل والعدل. السبيل إذن إلى إبطال الحروب الارتقاء في العلم وتحويل عساكر بريطانيا إلى نيوتن ودارون وعساكر فرنسا إلى باستير. فهل يقف الجنود صفوفا للحروب والتدمير أم يقف العلماء صفوفا للبناء والتعمير؟
17
ويبدو الأفغاني هنا مثل فولتير ناقدا للحرب بالرغم من نقده له باعتباره دهريا. كما يضع تقابلا بين الحرب والعلم مع أن العلم أحد وسائل الحروب والدوافع عليه. فالعلم والحروب في يد السياسيين، ولا يوجد علم مجرد ليس في يد أحد مهما كثرت الدعوات على العلم في سبيل السلام، والتمييز بين العلم وتطبيقاته أو بين العلم والسياسة. فهذه نظرة مثالية أخلاقية لم تمنع من وقوع الحروب. وإدراكا منه لفظاعة الحروب في القتل والدمار فإنه يفضل استعمال تعبير تنازع الفناء على تنازع البقاء؛ لأن البقاء صفة لله، ولأن قانون التنازع يبقي الأقوى ولكنه يفني الأضعف. الحرب إذن استثناء في التاريخ والسلام هو القاعدة.
ومع ذلك يفرق الأفغاني بين الحروب العادلة والحرب غير العادلة على ما هو معروف في الفكر الديني والسياسي منذ العصر الوسيط في اصطلاح
Just War . الحرب غير العادلة هي حرب العدوان، والحرب العادلة هي حرب الدفاع لردع العدوان. الأول مثل الحروب الغربية لتوسيع البلاد استعمارا واستعبادا. والجهاد من النوع الثاني، الحرب العادلة لردع العدوان وإرجاع الخلق للحق. لقد جاء الإسلام لتصحيح الأوضاع في شبه الجزيرة العربية كما جاءت المسيحية لتصحيح الأوضاع في اليهودية، وجاءت اليهودية لانتشال اليهود من سلطة فرعون. جاء الإسلام تصديقا للديانات السابقة لتحرير البشر
قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ،
هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ،
الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار . ومن ثم فاحتمالات الحرب بين الأديان قليلة نظرا لاعتراف الإسلام بالديانات الثلاث في حين أن احتمالات حروب الأديان في اليهودية والمسيحية أكبر لعدم اعتراف اليهودية بالمسيحية والإسلام وعدم اعتراف المسيحية بالإسلام. فالإسلام مرفوض مرتين، من اليهودية والمسيحية، وهما مقبولان منه. وقد يفسر ذلك أحيانا تكاتف وتضامن اليهودية الغربية «الصهيونية» والمسيحية الغربية في العداوة ضد الإسلام منذ الحروب الصليبية حتى احتلال فلسطين ومذابح البوسنة والهرسك وحرب الشيشان. وإذا كانت آية السيف قد نسخت ثلث القرآن من أجل رفع القهر عن الناس والإيمان بالله وحده فإن القتال قد يقع اضطرارا كما لاقى الرسول من أذى الكفار فاضطر للقتال، وكتب على الناس وهو كره لهم. وقد خير الإسلام الناس بين الإسلام أو الجزية من أجل صون النفوس. أما القتال فهو من أجل تحرير الأرض من الشرك والطغيان والعدوان على الناس معنويا وماديا. لذلك خيم العدل المطلق على فتوحات الإسلام بمبادئه وليس بالقهر والسيف كما يدعي الغرب. وعم الإسلام جزيرة العرب، ولم تقم إلا غزوات محدودة اتقاء لطغيان قريش حتى عام الفتح. وانتشر في اليمين بدون قتال. ولم تتجاوز جيوش أبي بكر وعمر أربعين ألف مقاتل. ودخل الإسلام الشام وفلسطين وحلب والعراق ومصر وفارس حتى الصين دون أن تكون الحرب في كل الحالات وسيلة لنشره. أما الآيات التي تقرأ في القرآن التي تحث على الاستعداد للقتال، مثل