تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتمسك المسلمين بالعقائد له أسبابه؛ إذ تبعث الأفكار والعقائد على الأعمال تثبتها. والإنسان بفكره وعقائده، وللأخوة ونسب القرابة صورة من العقل، وهما من الروابط الإنسانية. والآن لم يبق للمسلمين إلا الدين والعمل، وانقطع التعارف بينهم، وهجر العلماء بعضهم بعضا، ولا سفارة للعثمانيين في مراكش ولا لمراكش عند العثمانيين. ولا توجد صلات بين العثمانيين والأفغان. كثرت المذاهب والتشعب والخلاف في بداية القرن الثالث للهجرة. وانقسمت الخلافة إلى عباسية في بغداد، وفاطمية في مصر والمغرب، وأموية في أطراف الأندلس. ثم ظهر جنكيز خان وأولاده وتيمورلنك وأحفاده. وواجب العلماء الآن إحياء الرابطة الدينية والترابط بينهم.

13

واضح أن الأفغاني هنا ينوع على نفس القانون. فالنهضة بالدين والعمل، والسقوط بالدين دون العمل. كما أن التقدم بالترابط والتخلف بالتفكك. ويكون القانون هو: ترك ما كان سببا للصعود يؤدي إلى الهبوط والسقوط.

والجهاد أيضا قانون تاريخي. الجهاد سبيل النهوض، والنكوص يؤدي إلى الانهيار. ويعتمد الأفغاني هنا على استنباط هذا القانون من الآيات القرآنية، مثل

ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين . الجهاد امتحان واختبار للنفس. وجهاد للعدو ضد الخوالف المثاقلين إلى الأرض. الجهاد سبيل النهوض والنكوص، والقعود الطريق إلى السقوط. ويذكر أيضا

لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون . فالإيمان بالله يؤدي إلى الجهاد، أي إلى العمل مثل القانون السابق. فإن تخلت الأمة عن الجهاد فإنها لا ترث الأرض بل ترثها أمة غيرها

وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم . والتولي هو خيانة البلاد، والجهاد هو الدفاع عن الأوطان. ملعون من يخون البلاد لمرض في قلبه. ملعون من يبيع أهل ملته بحطام يلتذ به. ملعون من يمكن الأجانب من دياره، محروم من شرف الملة الحنيفية، من يعظم الصغير ويصغر العظيم، ويمهد الطريق لخفض كلمته وإعلاء كلمة الأغراب. ملعون من يختلج في صدره أن يلحق عارا بأمته ليتمم ناقصا من لذته. هنا يتوجه الأفغاني بالخطاب السياسي إلى الأمة، ويوحد بين النكوص والخيانة. إن المولعين بحب الحياة يقضونها في الذل من خوف الذل، ويعيشون من خوف العبودية في العبودية، ويجرعون مرارات سكرات الموت في كل لحظة خوفا من الموت. فلا الدين يسوقهم إلى مرضاة الله، ولا الحمية الوطنية تدفعهم إلى ما به فخار بني الإنسان.

14

ويصوغ الأفغاني بعض الأقوال المأثورة لبيان أهمية الجهاد، وإيثار الموت الكريم على حياة الذل. وأحقر الناس من يطلب موت الناس ليحيا، وأعظمهم من يستميت ليحيا ولو واحدا من الناس. وطالب الموت في سبيل حياة الوطن إما أن يموت بطلا شهيدا وإما أن يعيش سيدا عزيزا. وأمة ثبتت في جهادها لأخذ الحق ساعة خير لها من الحياة في الذل إلى قيام الساعة. وخير لون لراية الاستقلال دماء المجاهدين والأبطال.

15

والإصلاح الديني أيضا قانون للنهوض وأحد وسائل الانتقال من التخلف إلى التقدم، ومن السقوط إلى النهضة. ولا يمكن التخلص من الانحطاط والتأخر إلا بتأسيس النهوض والتمدن على قواعد الدين وليس عن طريق تقليد الغرب الذي يؤدي إلى الانبهار بالأجانب والاستكانة لهم والرضا بسلطانهم. فيتحول الإسلام من تحرر وإبداع إلى خمول واستئناس لحكم الأجنبي، والسبيل إلى ذلك حركة دينية تقلع ما رسخ في عقول العوام وبعض الخواص من فهم خاطئ للعقائد والشرائع، ونشر تعاليم القرآن الصحيحة بين الجمهور وشرحها بحيث تؤدي إلى السعادة في الدارين. ومن هنا تأتى ضرورة تهذيب العلوم وتنقيح المكتبات، ووضع مصنفات سهلة. وكان هذا طريق إصلاح الغرب، وانتقاله من الهمجية إلى المدنية. وهي الحركة الدينية التي قام بها لوثر بعد أن رأى خضوع أوروبا لرجال الدين ولتقاليد خارجة عن العقل والدين، فأصلح الأخلاق، وقوم الاعوجاج، وطهر العقل، ونبه إلى الحرية الطبيعية ضد الاستعباد والطغيان. ثم نشأت حركة عداوة ثم منافسة بين البروتستانتية والكاثوليكية على القوة والعزة والغلبة والارتقاء في المدنية للتفوق على الآخر. ومن هذه المنافسة تولدت المدنية الحديثة التي ينبهر الناس بها. مع أن لدى المسلمين فرقتين كبيرتين، سنة وشيعة، ولم ينشأ تحد بينهما نحو المدنية. تبدو الشيعة أحيانا كالكاثوليكية نظرا لأهمية رجال الدين والتراث والتاريخ، والسنة كالبروتستانتية نظرا للعقل والفردية والحرية. وأحيانا تبدو الشيعة كالبروتستانتية نظرا لما فيها من معارضة واعتراض، والسنة كالكاثوليكية نظرا لما فيها من خضوع. ومع ذلك يرى الأفغاني نفسه كمارتن لوثر، وحركة مثل البروتستانتية. وسجن الظالمين للمصلح رياضة، ونفيهم له سياحة، وقتلهم له شهادة، وهي أسمى المراتب.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٧٥