تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولن تجد لسنة الله تبديلا .

11

ومع ذلك ارتبطت نشأة القوميات في الغرب بالاستعمار بينما ارتبطت في الشرق بالتحرر. ولم تكن القومية الغربية كلها خيرا. إذ نشبت فيه حربان عالميتان طاحنتان في القرن العشرين بعد وفاة الأفغاني. وقامت الحروب باسم القومية بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا، واستعمرت فلسطين باسم القومية اليهودية. ووقعت مذابح المسلمين في البوسنة والهرسك باسم القومية العربية. وذبح ملايين من الأفارقة في مذابح متبادلة بين القبائل في رواندا. فالأفغاني أحيانا يحول التاريخ إلى مثال لا يصدق في الواقع، وأحيانا أخرى يستقرئ حوادث التاريخ لإثبات المثال في صيغة قانون للتاريخ.

وبحثا عن الأوطان والقوميات والإنسانية عرج الأفغاني على الماسونية. انضم إلى المحفل البريطاني، ثم غادره إلى المحفل الفرنسي ثم غادر الماسونية كلها مبينا ميزاتها وعيوبها؛ إذ تمتاز الماسونية، وهذا ما أغرى الأفغاني بها، أنها هدم للقديم، الظلم والجور والعتو، وبناء للجديد، الحرية والإخاء والمساواة. غرضها نفع الإنسان. تهدف إلى دك الظلم وتشييد العدل. كما تعمل على بلورة همة العمل، وعزة النفس والشمم، واحتقار الحياة في سبيل مقاومة الظلم، واعتبار كل قادر وظالم من الحكام من الخوارج. والماسونية أشرف وأرفع من أن تعمل على إيجاد سلطة لرئيس تخدم له بها غاية شخصية أو منفعة مادية أو معنوية. أراد الأفغاني أن يكون عاملا ماسونيا نزيها متجنبا الرذائل حرصا على شرف الشخصية وحتى لا يعاب على الماسونية بأشخاصها، وصحة البدن وذل السؤال لا يجتمعان، الماسونية تسعف الأخ إذا سقط في العلل أو اعتراه شلل. وتقدم على من سواه في البشرية. تربي أبناءه إذا مات فقيرا، وتحسن تربيتهم. الماسونية هي أن يصبح الإنسان إنسانا، وألا يكون الإحسان له إساءة.

ومع ذلك، وبعد أن عرفتها مصر بلد العجائب، وبعد دخول الأفغاني فيها والخروج عليها، وتجربتها ومعايشتها اكتشف عيبها مثل الجبن والخوف والنفاق والزلفى. كما لا يوجد وصف دقيق لها؛ إذ يقول

أما نحن معشر الماسون فيؤلمني أنني للآن ما عرفت لنفسي بصفتي ماسونيا ولا لمطلق الماسونية تعريفا يجعل لها صورة في الذهن أو وصفا ينطبق على من ينخرط في العشيرة .

12

كما تقوم الماسونية على الأثرة والأنانية وحب الرئاسة، والأفغاني لا يحب الرياسة بل يتوجه إلى الجماهير. كما تسود الجماعة الأهواء والانفعالات البشرية دون مراعاة لحق مطلق أو مبدأ ثابت. ويبدو أنها تهدف إلى إخضاع الشرق وتهديده ووعيده، وأنها نحلة غربية تقع تحت معاداة الأفغاني لاستعمار الغرب للشرق. الماسونية لم تزل في المهد وقد تختنق في المهد إذا لم يفقه مغزاها أحد. الماسونية اليوم مجرد

كيس أعمال وقبول أخ . نوع من أساطير الأولين، تخل بعقائد الناس، وتقسمهم إلى رئيس ومرءوس، تابع ومتبوع، غرب يأمر وشرق يرضخ، غرب يجمع المال وشرق يدفع الجزية. لن تعيش الماسونية في الشرق؛ لأنها لا تعبر عن مصالحه ولا تبغي تحرره، وهي أحد مظاهر الهيمنة للغرب. (2) التقدم والتخلف

ويحاول الأفغاني أن يرصد بعض القوانين العامة لنهضة الشعوب وسقوطها تنطبق على جميع الأمم عبر التاريخ وليس فقط على الأمة الإسلامية، وهي قوانين التقدم والتخلف على أساس أن النهضة هي القاعدة والسقوط هو الاستثناء، أن التقدم هو الأصل والتخلف هو الفرع، مفسرا الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لاستنباط هذه القوانين أو واصفا حوادث التاريخ مستقرئا لها، جمعا للتنزيل مع التأويل. ربما تنقص الصياغة النظرية ولكن الهم واضح، والنية معلنة.

كانت للمسلمين شدة في الدين وقوة في الإيمان وثبات في اليقين. وكانت العقيدة من أوثق الأسباب لارتباطهم. وكان الإيمان يؤدي إلى السعادة في الدارين. وكان العلماء مرشدين للناس، موجهين للعامة. والمسلمون تحكمهم الشريعة، مطالبون بالحفاظ على ما لديهم من البلدان. ثم غفل المسلمون عن بعضهم البعض. ولم يتألموا لما حل ببعضهم البعض. كان أهل بلوخستان يرون حركات الإنجليز في أفغانستان ولا يتحركون. والأفغانيون يرون تدخل الإنجليز في إيران ولا يتكلمون. ويضرب الإنجليز في الأراضي المصرية، تقتل وتفتك ولا ينجد المسلمون. فتفكك الرابطة الدينية سبب الانهيار والاستعمار، وقوتها سبب النهضة والتحرر.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٧٤