9
ويستشهد الأفغاني بالتوراة والإنجيل والقرآن ما دام الدين واحدا. وهو أقرب إلى موقف الصوفية والفلاسفة وإخوان الصفا منه إلى المتكلمين والفقهاء إلا أنه يسميها الديانات الموسوية والعيسوية والمحمدية، وهو خطأ؛ لأن أسماء الديانات لا تشتق من أسماء مؤسسيها، مثل البوذية والمسيحية والزرادشتية والمانوية، بل من جوهرها. فالإسلام من أسلم، والنصراني من نصر.
والوحدة تؤدي إلى السيادة. ويصدر الأفغاني مقاله عن
الوحدة والسيادة
بحديث
المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا . فهناك أمران خطيران تدفع إليهما الضرورة أحيانا والدين أحيانا أخرى، وهو الميل إلى وحدة تجمع وسيادة لا توضع. فكل أمة تنهض وتضمحل كالصحة والمرض، والحياة والموت. التغلب في الأمم كالغذاء في البدن. والوفاق تواصل وتقارب إحساسا من كل فرد بمنافع الوحدة، النظر في أمور الآخرين. ثم تنشأ الرغبة في السيادة كنتيجة طبيعية للوحدة. هذان الأمران، الوفاق والغلب ركنان في الدين وفرضان شرعيان طبقا للحديثين الشهيرين
المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ،
لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا . والاعتصام بحبل الدين ضروري، وكذلك الصلح بين المتخاصمين كما نص القرآن
وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ،
ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات . وكما نص الحديث «يد الله مع الجماعة.»
لو دعيت إلى حلف الفضول لفعلت . فالإحساس بالجماعة والتضامن معها وتمثل قيمها قبل الوحي وبعده، وله أساس في الطبيعة البشرية، مثل عدم أخذ فضل من حقه، ورد حق المظلوم إليه. كما يدعو القرآن إلى بسط السيادة ولكن افتتن المسلمون
أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ،
إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم . الميل إلى الوحدة، والتطلع إلى السيادة طبيعيان في البشر، أكده الدين، وعبر عنه القرآن، وصاغه الحديث.
10
ثم ينتقل الأفغاني من المثال إلى الواقع، من الوحدة إلى التنوع. فالبشر يعيشون في أوطان وفي قوميات وفي إنسانية واحدة، الإنسان نوع واحد وليس له غير هذه الكرة وطنا؛ فوحدة النوع تقتضي وحدة المكان. ومع ذلك لا تتحدد الهوية بالجغرافيا والمكان ولا بالعرق والدم بل بالفكر والتاريخ، بالتوحيد والثقافة المشتركة، الإخوة الإسلامية والتاريخ المشترك، العروبة هي اللغة، والإسلام هو الفكر، والعالم الواحد هو الواقع الحي، فالعصر عصر الأوطان وتخطي الأوطان في آن واحد، ويفصل الأفغاني الصلة بين القومية والإنسانية معتمدا على التشبيه طبقا لعادة القدماء خاصة الفارابي. فكما أن للإنسان «حواس خمس» فللأقاليم حواس خمس بها تميزت الشعوب والقبائل التي خلقها الله من نفس واحدة. وتقسم المعمورة إلى أوطان، والخواص الأربع تستمد طبيعة الإقليم منها، والخامسة تطرأ فتؤثر، وهي: الأول الدين، أي العقائد، وهو الأول في الترتيب، والثاني اللسان، أي اللغة، الثالث الأخلاق أي القيم، والرابع العوائد، أي العادات والأعراف، والخامس الإقليم الذي يؤثر في المجموع. وبهذه العناصر الخمسة تحصل ميزات الأقوام، وتحصل المساواة بينهم. فإذا ما أصابها الغرور ساءت الطبيعة، ونشأ الغلب والقهر بالتذرع بالدين. توجد القوميات بالعناصر الخمسة كما توجد الإنسانية أيضا. وبالرغم من تقسيمات الغرب واستقلال عناصره بميزاتهم القومية تساووا نسبيا بالفضيلة وأهمها العلم بالواجبات لهم وعليهم. انتفى منهم التفرد بالسلطة وسوق الأمة على هوى السلطان. وسينتفي هذا الحكم المطلق في التاريخ تدريجيا حسب مقتضيات الفطرة كما حدث في الغرب اليوم، تحكمه الشورى. وصارت كل أمة في مأمن من أن تغزوها الدولة المجاورة. فإذا ما فشا العلم في الأمة فأول ما تقوم به مناهضة هذا الشكل من الحكم حتى تتخلص منه. هذه سنة الله في الكون