تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

يقدم الأفغاني هنا حجة الأمر الواقع على حجة شرعية الفكر، ومقياس المنفعة وأولويته على الضرر، والزمن الحاضر وأوليته على الماضي، وضرورة الوحدة على الانقسام.

والدين واحد بالرغم من تعدده، والأديان متفقة في الهدف والقصد والغاية. هناك ثلاث ديانات كبرى: اليهودية النصرانية والإسلام، وكتبها السماوية: التوراة والإنجيل والقرآن، القصد منها واحد، إرشاد الخلق إلى الحق، وتوجيههم إلى الطريق المستقيم في العبادات والمعاملات، وبيان مشيئة الله في خلقه وصون مصالح العباد. وهو قصد واحد، ومشيئة واحدة. والكتب السماوية كلها تهدف إلى غاية واحدة. عبادة الله واحدة، والمعاد واحد، أنانية الإنسان وحبه الذاتي ورغبته في البقاء بعد الموت، وكأن الأفغاني يؤسس العقائد في التجربة الإنسانية. لا يوجد في الأديان الثلاثة ما يخالف نفع مجموع البشر. الكل يعمل للخير المطلق، ودفع الشر ، وجلب المنافع، ودفع المضار. الأديان الثلاثة، الموسوية والعيسوية والمحمدية متفقة في المبدأ والغاية، وكل منها يكمل الآخر في الخير المطلق. وإذا قدم العهد ونشأ الطغيان أو سادت الكهانة ظهر نبي لإكمال الناقص، فوحدة الأديان طريق البشرية إلى السلام. القصد واحد وهو التحرر، كمال العقل الإنساني واستقلال الإرادة البشرية. فإذا ما ضعفت الإنسانية عبر التاريخ وقعت في الخرافة والجهل أو رضيت بالطغيان يظهر نبي يذكر بالقصد والغاية؛ فالوحي مربي الإنسانية.

8

والخلاف فيها بين رجلين: الأول يؤمن بالوحي ويثبت الأنبياء، والآخر يجحد بالوحي وينكر الأنبياء. الأول يدرك وحدة الأديان، والثاني يقول إن الكون ليس فيه جديد ويأتي العلماء فيصوغونه. توحيد الله عند قدماء المصريين قبل موسى، والتثليث من الوثنيين، قال به فيثاغورث قبل المسيح. وموسى وعيسى ومحمد اعتمدوا على أقوال الحكماء القدماء وضموها إلى كتبهم. فهي كتب بشرية وليست إلهية. ولو كان بهذه الكتب بعض النفع فضررها أعظم. وقد سببت الشحناء والبغضاء. ولو كان الدين حقيقة لما وقع الاختلاف فيه. ويرد الأفغاني على الجاحد بأن الاتفاق بين الأديان حقيقة، والاختلاف من صنع رؤساء تلك الأديان الذين يتاجرون بالدين ويشرون بآياته ثمنا قليلا. وما أنفع رجال الدين إذا صلحوا وما أضرهم إذا فسدوا، الأديان الثلاثة واحدة، يكمل بعضها بعضا، إلا أن كل طائفة اعتبرت نفسها حانوتا أو متجرا. فظهر الاختلافات الدينية والطائفية والمذهبية كما قال الشاعر:

قد يفتح المرء حانوتا لمتجره

وقد فتحت لك الحانوت في الدين

صيرت دينك شاهينا تصيد به

وليس يفلح أصحاب الشواهين

فإذا قاوم رجل الاختلاف قطع رزقهم، واتهموه بالكفر والزندقة والإلحاد والجحود والمروق على الدين. فأكبر خطأ مس كرامة الدين لمجرد عمل يأتيه فرد من رجال هذا الدين. والإيمان واليقين ليس معناهما عبادة رؤساء الدين. لقد تحولت الأديان إلى متاجر وحوانيت. وينقد الأفغاني بالمناسبة الشيخ الميرغني الذي صاحب فرقة إنجليزية ضد ثورة القبائل السودانية، والشرع يحذر منه. وقد حكم العلماء بمروقه، وهو مثل نقد الكندي لرجال الدين الذين يدافعون عن مناصبهم المزورة باسم الدين وهم عدماء الدين؛ لأن من جهل الحق عاداه في أول رسالته إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى.

وتنشأ الشبهات حول الأديان بمقارنة المثال بالواقع، ما ينبغي أن يكون بما هو كائن. فقد سأل أحد نواب الهند: إذا كان الإسلام هو الدين الحق، فلماذا تقهقر المسلمون؟ ويرد الأفغاني على ذلك بحجة جدلية بأن الدين الحق هو الظاهر وليس الإسلام. وإذا كان المسلمون غير ذلك فهذا لا ينفي الإسلام؛ لأن حجة الواقع لا تطعن في الفكر. والدين الحق هو الدين الواحد وليس مراحله المتتالية، اليهودية والنصرانية والإسلام، الدين الحق هو الدين الخالص. كما يستعمل الأفغاني حجة خيالية، إذا وضعت الكرة الأرضية بين يديه وتم قياسها ببعض الأجرام كانت صغيرة، والإنسان أصغر. وإذا عاش الإنسان في كوكب آخر فإنه قد يمتلك حجم الكرة الأرضية، ولما نشأ الاختلاف. وتقوم الحجة على عظم الكون والأرض، والإنسان لا يشغل إلا مساحة ضئيلة فيه، ومع ذلك يختلف الناس عليها. فما بالهم لو تكاثروا وعاشوا في الكون الأرحب والأوسع؟ وما المانع أن يعيش أهل كل قرية في أمن وسلام؟

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٧٢