لو كان العلم في الثريا لناله رجال من فارس . فالفرس مهيئون للمبادرة للوحدة الدينية كما أبدعوا في العالم، واسترجاع فتوة الإسلام الأولى، والوحدة مع الأفغان والتحالف معهم على مقاومة المعتدين. وقد تم استيلاء الإنجليز على الممالك الهندية بسبب الخلاف بين الفرس والأفغان، وكل مسلم في الهند ينظر إليهم. وحدة الفرس والأفغان هو السد المنيع الذي يحمي الهند من الشمال ضد الغزو الأجنبي، وأمير الأفغان والأفغان من أشد الناس عداوة للإنجليز. فلو اتحد الأمير مع الشاه لوجدت قوة إسلامية في المشرق نواة لتوحيده، وكانت رصيدا للمسألة المصرية. مهمة الفرس بيان أسس هذا الاتحاد وأهميته وضرورته. وقد بدأ الروس الهجوم على الهند وأوروبا مشغولة بمقاصدها. فاتحاد إيران وأفغانستان تدعيم لمقاومة الهند للغزو الروسي خاصة وأن الهند بعيدة عن روسيا، وجبالها وعرة، ولا سبيل إلى الوصول إلى الهند إلا عبر فارس وأفغانستان. وليس من المعقول أن تستعمر روسيا الهند عن طريق إيران وأفغانستان ومشاركتهما في الغنيمة. ورابطة الدين الإسلامي أقوى الروابط بين الفرس والأفغان والهنود، وترك الخلاف المذهبي الفرعي إلى المصالح العامة والدفاع عن الأوطان. وقد اختلف الألمان في الدين المسيحي كما يختلف الإيرانيون مع الأفغان في الإسلام ولم يكن لهذا الاختلاف الفرعي أساس في الوحدة السياسية، توحد الألمان بعد أن ضعفوا، ولم يكن لهم دور في السياسة الأوروبية. فراعوا الوحدة الوطنية في المصالح العامة. واللسان الفارسي هو لسان الطائفتين، وبالتالي تكون مهمة الجرائد الفارسية العمل لهذه الدعوة.
6
واضح أن الأفغاني يؤسس الدعوة للوحدة على الرصيد التاريخ الحضاري والثقافة المشتركة بين الشعوب الإسلامية، كما يعتمد على التجارب الأوروبية المعاصرة، مثل الوحدة الألمانية من أجل تدعيم الوحدة الإسلامية.
ويستبعد الأفغاني كون الفرس من الشيعة والأفغان من السنة أن يكون ذلك مانعا من الوحدة بينهما كما لم تكن البروتستانتية والكاثوليكية مانعتين من وحدة الشعب الألماني؛ فقد ظهرت أحزاب وشيع منها من ضلت مثل المؤلهة التي تقول بألوهية علي، والمفضلة والغلاة في محبة آل البيت طريقا للقول المأثور
يهلك فينا أهل البيت، محب غال، ومبغض غال . المفضلة من الشيعة يقلدون جعفر الصادق، من كبار فقهاء آل البيت، يغالون في تفضيل علي، ولكنهم لا يخرجون على الأمة. إنما هي فروع أوجبت الخصام؛ فالاقتتال لجهل الأمة وسفه الملوك الطامعين في توسيع الممالك، ملوك السنة هولوا وعظموا أمر الشيعة لاستهواء العامة بأوهام ضد توسيع شيعة آل البيت ليتسنى لهم قتالهم، فيقتل المسلمون بعضهم بعضا بحجة الشيعة والسنة، والكل موحد بالله، مؤمن بالكتاب والسنة. أما مسألة تفضيل علي والانتصار له يوم قتال معاوية، والخروج عليه فلو كانت في هذا الزمن مفيدة ولإحقاق الحق فإنها لم تعد كذلك اليوم ولا ينشأ منها إلا الضرر وتفكيك عرى وحدة الأمة. فهل لو أجمع أهل السنة اليوم، ووافقوا المفضلة، وأقروا بأولوية علي بالخلافة قبل أبي بكر فهل يحسن ذلك حال السنة والشيعة؟ ولو وافقت الشيعة أهل السنة على أولوية أبي بكر وأحقه بالخلافة فهل ينهض أهل السنة مما وقعوا فيه من مذلة وهوان؟ لا يرضى علي عن الشيعة إذا قاتلوا أهل السنة لمجرد تفضيله على أبي بكر، ولا يرضى أبو بكر أن تدافع أهل السنة عنه، وتقاتل الشيعة لأفضليته التي تخالف روح القرآن، وأن المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، إن قصة التفضيل لو استحقت البحث لكفى أن يقال لحلها إن أقصر الخلفاء الراشدين عمرا تولى الخلافة قبل أطولهم عمرا. فلو تولى الخلافة علي لمات أبو بكر وعمر وعثمان ولم يتيسر لهم خدمة الإسلام.