3
شعوب البلقان أمم وممالك، لها تاريخ ودين ولسان، وعادات وأخلاق، على طرفي نقيض مع العثمانيين. لم يوحدها العثمانيون دينا أو لسانا أو ثقافة كما يفعل المبشرون. بدءوا باللسان التركي لتعميمه دون الدين، فكان لغة المستعمرين. وتحررت شعوب البلقان طبقا لسنة الكون على عكس فتوحات المسلمين الأوائل في مصر والشام. ولو أن الأتراك نشروا اللسان العربي والدين الإسلامي لاستمرت البلقان تحت حكم العثمانيين. وبدلا من تعريب الترك بدأ تتريك العرب، فبدأ النفور بين العرب والأتراك. لم يقبل العثمانيون فكرة السلطان الفاتح والسلطان سليم بتعميم اللسان العربي. وقد توغل العثمانيون في أوروبا والبلقان، وجعلوا القسطنطينية عاصمة لهم، مع أن المدينة المستعمرة لا تكون عاصمة للملك لأنها قابلة للاسترداد. كانت المدينة مثل دمشق وبغداد عواصم وسط المحيط العربي وليست على الأطراف. وأن فتح الأتراك القسطنطينية أمر عظيم بعد أن فشل فيه يزيد وخالد وأبو أيوب الأنصاري والعباسيون واكتفى الرشيد بالجزية مع أن الرسول تنبأ بفتحها
لتفتحن القسطنطينية، فنعم الأمير أميرها، ونعم الجيش ذلك الجيش . إشارة إلى السلطان محمد الفاتح. العيب أن الأتراك جعلوها العاصمة. ولو فتحت قديما لكان عليها من الولاة مثل مصر والأندلس والهند وبخارى وفارس.
4
كان فتح البلقان إذن مظهر ضعف في الدولة العثمانية نظرا للقلاقل والفتن وإعداد الجيوش لسفك الدماء . لذلك لم يكن البقاء في البلقان مضمونا، وكان استقلالها معروفا للعقلاء. وهو رأي عالي باشا الصدر الأعظم بعد أن رأى مخاسر تركيا. ولكن الدولة العثمانية لم تأخذ برأيه، جعل الخلافة في بغداد وسط الأمة. وربما لم تصدق نبوءة الأفغاني هنا. فالقسطنطينية ما زالت باقية في يد الأتراك، وتشهد نهضة إسلامية معاصرة. ولو كانت إمارة لشجع ذلك الغرب على استردادها كما استرد الأندلس.
لو عمر الأتراك الأرض، وعدلوا في أهلها، وجروا على سنة الرشيد أو المأمون، وقد كانوا أغنى أمم الأرض وأكثرهم سلطانا! لم يحسنوا إلا الحرب دون العمران، ولم يقبلوا اللسان العربي، لسان الدين والأدب، والذي دخل اللسان التركي فأغناه، ولو خلا اللسان التركي من الكلمات العربية والفارسية لكان من أفقر لغات الأرض، ولعجز عن التعبير عن حاجات الأمة البدوية، ولما كان للأتراك شعر ونثر وبيان. فكيف يعقل تتريك العرب، وقد تبرك العجم بالاستعراب، وأصبح اللسان العربي لغير المسلمين لسانا؟ لقد خاطب الأفغاني السلطان عبد الحميد في الأمر ولكن السلطان لم يكن جيد الإصغاء. وكان لا يرى أن فضل اللسان العربي كما كان يرى سليم أمر صائب. وكان لا يريد الاعتراف بأن توغلهم في أوروبا وفتح شبه جزيزة البلقان كان خطأ. وواضح أن الأفغاني هنا ضد الاستعمار، واحتلال أراضي الشعوب بالقوة والقهر حتى ولو كان من جانب المسلمين الأتراك؛ فالفتح الإسلامي ليس استعمارا للشعوب ولكنه تحرير لها، وليس احتلالا للأرض بل فتحا لها. لم يحتل المسلمون العرب مصر وفارس والشام بل فتحوها في حين احتل الأتراك العثمانيون شبه جزيرة البلقان ولم يفتحوها.
5
لقد ساءت الأمور، في رأي الأفغاني. وانقضى وقت الإصلاح، وإخراج التصورات من ميدان النظر إلى ميدان العمل، بعد أن كانت الدولة العثمانية في عنفوان قوتها وأوج عزتها. أصبح الأمر الآن للقوة وحدها. ينتصر القوي على الضعيف. ولم يعد في إمكان السلطان عبد الحميد ما كان يفعله السلطان الفاتح أو السلطان سليم أو السلطان سليمان. لم يعد الأمر الآن، في رأي الأفغاني، تحقيق ما ينبغي أن يكون بل الاعتراف بما هو كائن، وليس تحقيق الواجب بل تحقيق الممكن، وبلغة الفقهاء، ليس تحقيق المنفعة بل الإقلال من الضرر، ليس العمل إيجابا بل العمل سلبا. ليس طلب المستحيل، إبقاء الدولة العثمانية في أوروبا، بل تحقيق الممكن وهو إبقاء الدولة العثمانية في غير أوروبا. وقد حادث الأفغاني عبد الحميد في تصوراته عن الإصلاح، ورفض تدوينها حتى يظل الأمر سرا لا يطلع عليه أحد، وجوهرها تحويل الممالك إلى خديويات وليس إلى مجرد ولايات يرسل إليها الولاة من الآستانة مثل باكير باشا ومحمد علي باشا لجمع الأموال من غير حق وإرسالها إلى الآستانة، وتوزيعها على رجال الدولة. إن نظام الولايات ليس خيرا لها بل هو خير للسلطنة، أما نظام الخديويات فهو خير للولايات وحفاظ على السلطنة كما فعل الإنجليز في الاستيلاء على الولايات باسم السلطنة وحفاظا عليها. وأيهما أفضل أن يأتمر الوالي بأمر السلطان، وتكون العساكر المصرية عثمانية تنفذ الأوامر باللحاق بجيوش السلطان، وأن يكون الشعب المصري رعية خاضعة طائعة للسلطان أم أن تصبح الولاية خديوية، وأن يكون الخديوي معينا من السلطان ولكنه منفذ لمصالح الخديوية وشعبها؟ كان الأفغاني من أنصار اللامركزية وإعطاء الاستقلال الذاتي للولايات. ولكن السلطان كان يخشى من أن يتحول الاستقلال الذاتي إلى استقلال كامل وبالتالي تتفتت الدولة العثمانية، وتضيع الخلافة. وكاد محمد علي وإبراهيم باشا أن يستقلا بمصر. إن السلطنة العثمانية تتألف من ثلاثين ولاية، ومساحتها في آسيا فقط 661000 ميل مربع على حين أن مساحة بريطانيا وإيرلندا معا 120000 ميل مربع. يمكن أن تتحول الولايات إلى خديويات في بغداد والبصرة والموصل وبيروت وسورية وحلب والقدس والجزائر والحجاز مع تعزيز أساطيل الدولة لحماية الخديويات من الغزو الأجنبي. تقتصر مهمة الدولة المركزية على الدفاع عن الخديويات اللامركزية كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي قديما، وكل الدول الفيدرالية مثل ألمانيا. وتتحول تركيا ذاتها إلى ثلاث ولايات، لكل منها منفذ على البحر، كما تصبح ألبانيا خديوية، ويكون مجموعها عشر خديويات أو ممالك كل واحدة منها أعظم من اليونان. ولا يعوقها عن التقدم واللحاق بما خسرته من الانفصال عن الدولة العثمانية إلا شكل الحكم التسلطي والسلطة المركزية البيروقراطية القاتلة للهمم والموهنة للعزائم. والدولة العثمانية اليوم لا ترسل من الولاة إلا أحد رجلين: إما الخامل البليد الذي همه جمع المال، وإما الرجل النشيط العاقل ولكن ليس له من الأمر شيء، يستأذن الباب العالي في ترميم جسر في بغداد سقط منه حجران فلا يأتي الإذن إلا بعد أشهر وأعوام يكون طغيان النهر قد جرف الجسر كله! وما يقترحه الأفغاني أن يفوض السلطان آل عثمان إلى الخديويات بدلا من قعودهم مع النسوان، وتقريبه الخصيان. ويكون مع كل أمير وزير فاضل وأمين من غير حاشيته التي تحاصره وتكذب عليه. كان هم الأفغاني إذن الحفاظ على الدولة العثمانية وحمايتها من التفكك وتوحيد أجزائها وفي نفس الوقت إعطاء الولايات قدرا من الحكم الذاتي، وربما فيما بعد، وهو ما لم يصرح به الأفغاني، تعيين حكام وطنيين من أهل البلاد وليس من الأتراك بالضرورة، وتعزيز أساطيل الدولة لحماية الولايات من الغزو الأجنبي. هذا هو الحل الوحيد لأية دولة في حالة اتساع ملكها. اتبعه العباسيون قديما، ولا يغيب عن تصور الإنجليز حديثا، هو النظام الفيدرالي الذي يحافظ على الكيان الوطني القومي في إطار من وحدة الأمة.