تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

لقد ولد فتح محمد الفاتح القسطنطينية حقد الملوك المسيحيين ضد المسلمين، وأخذوا في الكيد لهم، وناصبوا الدولة العثمانية العداء والعمل على اضمحلالها وسلب فتوحاتها منها. ويتحمل العثمانيون جزءا من المسئولية؛ لأن استمرار الحروب والتغلب والانتصار فيها لا يكون إلا بالقوة والعلم وليس بالقوة وحدها. ولو أن الدولة العثمانية راقبت حركات الغرب وجارته في مدنيته وحضارته وعمرانه، وزاوجت الفتوحات المادية بالقوة العلمية كما فعلت اليابان لما كانت هناك مسألة شرقية، ولما ظهر هذا التباين بين قوة وجهل عند العثمانيين، وقوة وعلم عند الغربيين. ولما انهزمت حكومة الجهل على يد حكومة العلم. يهزم الغرب المسلمين الآن بالعلم مصدر القوة. وينهزم المسلمون الآن أمام الغربيين بالجهل مصدر الضعف. إذن ليس الدين وحده سبب المسألة الشرقية. فقد فتح آل عثمان الممالك، وبقي أهلها نصارى أشد تمسكا بالنصرانية. فتحوا البلاد ولم ينشروا الإسلام ولا لغته، ولا عملوا بآدابه وتعاليمه. انتصر الأتراك أولا على الأوروبيين بالعلم العربي، وقد كان الأوروبيون أولا جاهلين به. وجمعوا بين القوة والعلم كما يفعل الأوروبيون الآن. وجمع السلاطين بين القوة والعدل. وظل النصارى في طاعتهم طالما كانوا يجمعون بين القوة والعلم في الحكم، والضعف والجهل في المحكوم. ثم انعكس الأمر فتحول الحاكم إلى محكوم، والمحكوم إلى حاكم بنفس القانون،

وتلك الأيام نداولها بين الناس ، وهو قانون ثابت،

ولن تجد لسنة الله تبديلا ،

ولن تجد لسنة الله تحويلا .

قامت الدولة العثمانية في القرن السابع الهجري بآسيا الصغرى. واستخلص السلطان عثمان الأول ما بيد السلجوقيين من الملك من الشرق، والروح من الغرب. وركزوا على شبه جزيرة البلقان، وهي منطقة التقاء آسيا وأوروبا. وقد كانت في المملكة الشرقية بعد قسمتها إلى شرقية وغربية. وفيها غير تركيا اليونان والصرب ورومانيا والجبل الأسود. ولكل أمة منها مطامع وعروق وطوائف وميول سياسية. وقد كانت البلقان مهد الفتن والقلاقل ولا تزال. كل دويلة صغيرة تطمع في توسيع نطاقها على حساب جاراتها أو ابتلاعها كلية من الدول الكبرى؛ كروسيا والنمسا اللذين ساعدا البلقان على الاستقلال تحت ذريعة الدفاع عن العنصر السلافي والصربي مثل حجة النصرانية وتخليصها من الحكم الإسلامي.

افتتح السلطان مراد الثاني بلغاريا عام 1382م. وبقيت تحت حكم الأتراك أربعة أجيال. وهم قوم أشداء من أصول مغولية مثل المجريين والفنلنديين، نزحوا من قازان في روسيا وأوروبا، ونزلوا البلقان في القرن السابع الميلادي. تعودت على الاستقلال منذ نشأتها. وقد خشيها البيزنطيون. ثم تقهقرت وتخلفت فاستولى عليها الروس. ثم استقلت وضعفت حتى فتحها الروم، وصارت جزءا من المملكة الرومانية الشرقية. ثم استقلت وضعفت مرة ثانية ففتحها العثمانيون. ولكن العثمانيين لم يتركوا شيئا وراءهم ولم يبدلوا شيئا، وتركوا البلقان لجاهاتهم ودينهم ولسانهم ولتاريخهم، يتطورون مع الغرب. والحكام الأتراك قاعدون في فخفخة وغطرسة وفخر بالإسلام. فنهضت وبدأت تهدد العثمانيين.

وفتح مراد الثاني الصرب عام 1389م. وظل الأتراك بها مدة أربعة قرون بالرغم من ثورتهم أربعة عشر عاما حصلوا بعدها على نوع من الاستقلال الجزئي أولا ثم النهائي ثانيا عام 1878م مثل بلغاريا. كما أخضع العثمانيون اليونان حتى عام 1829م. ثم استقلت بمناصرة الغرب، وبعد حروب دامت سبع سنوات اشترك فيها الأسطول المصري بقيادة إبراهيم باشا. وأخضع العثمانيون رومانيا وأدت لهم الجزية حتى عام 1716م، وظلت تحت الحكم العثماني حتى استولت عليها روسيا. ثم ثارت عام 1866م، وأصبحت ملكية. ثم فتح السلطان سليمان القانوني الجبل الأسود وسكانه من الصقالبة. ثم استقل عن العثمانيين عام 1862م. والخلاصة أن الدولة العثمانية لم تكن تحسن الاستعمار. وكانت سدا يمنع الشعوب من التقدم والرقي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٥٩