تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن السلطان عبد الحميد شعر بأنه لم يبق له من السلطة شيء بعد أن سمع هذا التصور الفيدرالي للدولة العثمانية والاستقلال الذاتي للولايات. لم يبق شيء لتخت آل عثمان. ورد الأفغاني عليه بأنه يبقى له ملك الملوك وعرش العروش، ربما للإبقاء عليه بلا سلطات من أجل القضاء عليه وربما اقتناعا باللامركزية من أجل الحفاظ عليه وعلى الدولة في آن واحد. كان السلطان عبد الحميد سيئ الظن، لا يأمن لأحد. وظن أن الأفغاني بتصوره عن اللامركزية العثمانية يعمل لحساب إسماعيل كمال الذي عين لولاية طرابلس الغرب، وطلب توسيع صلاحياته وحق عقد قرض لتحسين الولاية وإصلاحها. وإذا كان الأفغاني لا يعمل لحساب إسماعيل ضد العرب فإنه يعمل لحساب إسماعيل التركي. ولكن السلطان رأى أن الأمر قد فات أوانه ، ولا يمكن عمل شيء الآن، مستعملا المثل التركي

أن الجواد اجتاز اسكدار .

والعجيب أن يمدح الأفغاني بعد ذلك السلطان عبد الحميد. فلو وزن السلطان عبد الحميد مع أربعة من رجالات العصر لبزهم ذكاء ودهاء. لقد ذلل لملكه الصعاب، وصمد أمام دول الغرب، وحول العدو إلى صديق من دول الغرب، واقتنع الجميع بحججه. يعلم دقائق السياسة ومطامع الغرب، ويخرج سالما من كل أزمة. ولكن عيبه هو العجز عن اتخاذ القرار، والجبن من أكبر عيوب الملوك، وعيب الكبير كبير، مع أن السلطان قد قبل بارتياح أفكار الأفغاني عن اللامركزية ومحاسن الحكم الدستوري، والإسلام أول من أقامه، وحسنت نواياه لإقامة الدولة اللامركزية، المناط بها نهضة المسلمين. وأعد كل شيء حتى لا تتفق أوروبا على عمل خطير ضد الممالك العثمانية. وأقنعها أن ذلك سيكون خرابا على نفسها. فيقظ لدول البلقان الصغيرة التي أحدثتها أوروبا للتدخل في شئونه ولتقطع أجزاء من مملكته. وكلما حاولت أوروبا توحيد البلقان ضده استطاع بدهائه تفريق ما جمعوه. فخضع له أمير البلغار، ولبس الشعار العثماني «الطربوش»، وافتخر برتبة المشيرية، وانتظم في حفلة صلاة الجمعة. وكان أمير الجبل الأسود يعتبر نفسه كالابن أمام والده، يطلب الإعانة لمساعدته في تجهيز ابنته. فدفع ذلك أوروبا إلى تحريض اليونان على حرب السلطان، والأعجب من الأفغاني مدح أبي الهدى الصيادي وهو المدافع عن السلطان والخلافة بأي ثمن.

أما الرجل (أبو الهدى الصيادي) فهو خير عربي صحب السلطان. وقد درأ شرا واستدر ما استطاع من الخير لقومه. وفي الرجل هزة هاشمية، وخلق كريم، وهمم وشمم لا ينبغي أن يناله طعن الطاعنين. ولا أدل على فضل الرجل من قياسه مع غيره من العرب الذين انسلوا إلى السلطان ودخلوا خدمته .

6 (2) مصر والخلافة العثمانية

مصر هي بؤرة الخلافة. والدفاع عن الخلافة العثمانية إنما هو دفاع عن استقلال مصر وتقدمها؛ فمصر من الأراضي المقدسة. ولها في قلوب المسلمين جميعا منزلة كبيرة. وقلق المسلمين عليها ركن من أركان الدين. مصر في المركز والقلب. ومع أن الأفغاني غير مصري إلا أنه تجلى في مصر، وتجلت روح مصر الوطنية فيه. ويعلن الأفغاني عن ذلك في العروة الوثقى قائلا:

وعزة الحق أن ما كتبته عن حق مصر وما استنهضت من الهمم وما حذرت به من سوء المصير لو تلي على الأموات لتحركت أرواحهم، ولرفرفت على أجداثهم، ولأحدثت لأعدائهم أحلاما مزعجة ومراء مريعة. كاد لا يخلو سطر من العروة الوثقى إلا فيه ذكر مصر، ولا براهين وأدلة على ظلم الإنكليز إلا ويتمثل في مصر، ولا خوف من شر مستطير يفكك أجزاء السلطنة العثمانية إلا وتراه في التهاون في أمر مصر. وذلك لأن جرح مصر كان ولم يزل له في جسم الأمة الإسلامية والعرب عموما نغولا وبعروقها اتصالا ... ولا يفوتن أهل الشرق العلم بأن كل مدينة وكل مقاطعة إسلامية شرقية هي بمنزلة مصر وإن لم تسقط تحت الاستعمار بعد. فالشرك منصوب للكل .

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٦١