كان يكفي إنجلترا حفظ باب الهند بتأييد العثمانيين والمصريين. ولكنها التفتت إلى تقوية باب الهند الشمالي، أفغانستان وباكستان. ولم يغن الباب عن انهيار البناء كله. فقد لجأ التركمان في مرو إلى روسيا بعد أن كانوا مستقلين. وقد يتبعهم تركمان سرخس وينضمون إلى فارس، وهم مخالفون لهم في المذهب فيفتح بذلك الطريق إلى روسيا إلى فراه ثم إلى قاين ثم إلى سجستان ثم إلى الهند. وهناك قبائل أفغانية في ضجر من حكومتها قد تتبع أبناء عمومتهم التركمان. وقد تخرج قبائل أخرى على الأفغان ضد سلطة أهل السنة، وقد كانوا في الحرب الأخيرة مع الإنجليز. وقد يتجاوزون إلى روسيا لوعودها لهم، فيمتد سلطان روسيا إلى شمال الهند، وتهدد الهند، وربما يمتد إلى قناة السويس، والإيقاع بقبائل الأفغان واختلافها على الإمارة بعد أن تقربت إلى ألمانيا والنمسا، وعقدت معاهدة معهما على حفظ السلام في أوروبا حتى تتفرغ لآسيا . فهل يمكن للإنجليز تفهم الخطر القريب وألا يقعوا في شرك المسألة المصرية. يخافون منها ويقعون في شركها، وهم لا يقدرون عليها إلا بمعونة العثمانيين وبعض المصريين؟ فواضح أن الأفغاني هنا يؤسس سياسة ضرب إنجلترا بروسيا، وضرب روسيا بإنجلترا، واللعب على تناقض المصالح بين القوتين الكبيرتين في عصره، تخويف إنجلترا بروسيا، وتخويف روسيا بإنجلترا كما حدث نفس الشيء، بعد ذلك أثناء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وقيام حركات التحرر الوطني وقادة العالم الثالث خاصة عبد الناصر بالاستفادة من التناقض بين المعسكرين المتنازعين لصالح الاستقلال الوطني للشعوب المتحررة.
13
ومع ذلك يبدو الأفغاني أكثر تعاطفا مع روسيا كما كان عبد الناصر فيما بعد، وأكثر عداوة للاستعمار الغربي ممثلا في إنجلترا كما كان عبد الناصر معاديا للاستعمار الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. فبريطانيا تفتح البلاد وتوقع بين أهلها البغضاء، وتتدخل في أمور الشرق، وتستعمر الهند ومصر لاستعباد أهليهما. الإنجليز في ذاتهم أمة من أرقى الأمم تعرف العدل في الداخل، ولكنها تمارس الظلم في الخارج. الإنسان له حق الحياة. وهو الإنجليزي، ولغيره من البشر الموت، ليس في الوجود إلا الله وحق الإنجليزي، الطمع دافعه. وكل بقعة غنية في العالم له. لذلك لا يصدر عنهم في الخارج إلا الظلم. ووسيلتهم المكر والخديعة. ومن السفه مطالبة الشرقيين الإنجليز بالعدل أو الإنصاف؛ لأن معنى العدل هو التخلي عن البلاد وهو ما لن تقبله إنجلترا. يكشف المعيار المزدوج لإنجلترا العدل في الداخل، والظلم في الخارج، التشدق بالعدل كمبدأ عام ثم تخص نفسها بالوصاية على النوع الإنساني.
ومما ساعد على استعمار الشرق من الغرب، تفكك عرى الأمة الإسلامية وعدم الاتصال بين الأقوام مثل الأفغان والإيرانيين؛ فقد وقعت ثورة الهند عام 1860م، ولم تصل أخبارها إلى إيران وأفغانستان إلا بعد أن تمكن الإنجليز من إخمادها، وكذلك لا يعرف الهنود أخبار إخوانهم المسلمين؛ فالتركي والمغربي، والتونسي والجزائري والمراكشي يعلمون أنه توجد مقاطعة اسمها الهند بها ملايين من المسلمين الهنود، ويعلم الهنود أن على الأرض دولة عثمانية إسلامية، يفرحون لفرحها. ومع ذلك تجهل كل أمة أحوال الأمم الأخرى. فلا يدري أحد أخبار الهند باستثناء وقوعها تحت الاستعمار الإنجليزي. والهند درة غالية في آسيا، كانت هدف الفاتحين منذ القدم ومطمح أنظار الملوك والسلاطين. زحف إليها الإسكندر، ودخلها فاتحا من الشمال كما فتحها جيش الحجاج من الشمال، من بخارى وكابول. ثم أعاد فتحها السلطان محمود الغزنوي. وعطش الجيش في الطريق فأعطى خادم السلطان له قربة ماء فأراقها أمام الجيش