تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا خير في حياة إذا هلك الجيش . وفضل الموت إذا كان فيه سلامة العسكر فتحمس الجند، وساروا حتى وصلوا إلى مكان المياه ثم انقضوا على حصون الهند، ودكوها بالمدافع ثم فتحها تيمور لنك ثم نادر شاه الإيراني وأخذ من خزائنها وأموالها. وفتحت الهند بعد ذلك عدة مرات بحروب ومخاسر عديدة.

أما الإنجليز فقد ملكوا ثلث العالم بلا مخاطر ولا دماء ولا أموال. بل استعملوا سلاح الخديعة والحيلة، أسودا في ملمس جلود الأفاعي. يعرضون أنفسهم خدما صادقين وأناسا ناصحين، داعين إلى الأمن واستقرار النظام، وتثبيت الأمراء، وتنفيذ الفرمانات، وتأييد السلطان. فإذا تصدى لهم ملك شرقي حاذق شوشوا عليه، وألبوا عليه الرعية، وأثاروا عليه الأحقاد، وأيدوا، بدلا عنه، السفهاء من الأمراء، ودعوا إلى عصيانه أو الاتفاق معهم على خلعه، وتنصيب أمير ضعيف أحمق أو صبي لم يبلغ بعد سن الرشد من أبنائه أو أقاربه. فعلوا ذلك بالهند. انتشروا كتجار، وفرقوا كلمة الأمراء، وأقروا الراجات، وطالبوهم بالاستقلال والانفصال عن الدولة التيمورية لتقسيم الهند إلى ممالك صغيرة، وأغروا كل أمير بلقب. فإذا ما احتاج إلى المال عاونوه، مرة بالذهب، ومرة بالسيف. ونفروهم من عساكرهم، واتهموهم بالضعف والجبن والخيانة والإضلال، وطالبوا بإحلال الإنجليز محلهم لما هم عليه من قوة وبسالة ونظام وقيادة إنجليزية مع بعض الجنود الهنود. ووضعوا على كل عاصمة فرقة إنجليزية لحماية الحاكم، وأعطوها أسماء محلية مثل العمرية للحكومة السنية، والجعفرية للحكومة الشيعية، والكشتية للحكومة الوثنية. فإذا ما فرغت خزائن الحكام فتح الإنجليز خزائنهم، وأقرضوهم بفوائد كثيرة أو قليلة. فإذا ما عجز الأمير عن السداد طالب الإنجليز بقطعة أرض للاستفادة منها وسداد الدين وإرجاعها، فيضعون أيديهم على أخصب البقاع، ويؤسسون فيها القلاع والحصون على أبواب العواصم. ويغرون الأمراء بمزيد من الإسراف والتبذير، ويغرون الحكام بالحروب بينهم، ويأتون لمساعدتهم، ويجبرونهم على الصلح في مقابل تنازل المهزوم عن جزء من أرضه للمنتصر، وهم الخادم الصادق والناصح الأمين، حتى إذا ضعف الجميع قادوهم إلى السياف بجنوده أو خلعوه، وأحلوا محله أحد أعضاء العائلة المالكة بشرط أن يقطع لهم أرضا أو يمنحهم امتيازا، ويقع الكل في مخالب الإنجليز.

14

ويستمر الأفغاني في هذا الوصف التفصيلي المعروف في مصر أيضا في عصر إسماعيل وتكبيله بالديون ثم شراء أسهم قناة السويس وخلعه ووضع سعيد ثم توفيق مكانه حتى احتلال مصر، مركزا على شبه القارة الهندية خاصة في الشمال. فعندما وقعت الحرب بين الأفغانيين والبنجابيين خاف الإنجليز من تسلط الأفغان. فتدخلوا للصلح بينهم. وسحروا الأفغانيين بلين القول حتى تركوا لهم بيشاور وما يليها، وأجلى الأفغان بنجاب. وبعد ذلك بعشر سنوات زحف الإنجليز على بنجاب وافتتحوها بأنفسهم، واستولوا على بيشاور، وأدرك الأفغان الحيلة بعد فوات الأوان. وقد حدث أيضا أن خلع الإنجليز في الهند أميرا رأوا فيه البصيرة والحزم، وأقاموا بدلا منه ابنه، وجعلوا أنفسهم أوصياء عليه. واستولوا على خزائنه، وأداروا مملكته، واستولوا على عسكره، ولم يبق له إلا الاسم. وتم لهم ذلك تحت راية العدالة والإصلاح واستقرار النظام، والمحبة والإخلاص. وإذا اشتكى الملك إلى لندن تركوه حتى يجوع. وأمراء الشرق تلهيهم الألقاب والأسماء والألفاظ حتى ولو كانت مجردة من أية حقوق يلتذ بها، مثل: نائب، راجا، خديوي، سلطان. وفي نفس الوقت يستولي الإنجليز على كل الوظائف السامية. ويوزعون بعضهم على الطوائف لتقريب بعضها على البعض الآخر، مثل الفرس أولا الذين على دين زرادشت، وهم المجوس، ثم الوثنيون وأخيرا المسلمون. فليس للمسلمين حظوظ في الوظائف إلا ما يتركه المجوسي والوثني، وفي نفس الوقت يدعي الإنجليز أنهم أولياء المسلمين، وينفون علماء المسلمين الذين يؤمنون بآيات الجهاد في القرآن الكريم.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٥٦