تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس من مات فاستراح بميت

إنما الميت ميت الأحياء

وبسبب هذا الطمع، وهو الباعث الأخلاقي على نشأة الاستعمار، وسع الأوربيون ممالكهم، وتفننوا في ذلك بالحرب والقتال والغزو أو بالدهاء والحكمة واللين والخديعة. وقد أدى كلاهما إلى الاستعمار، وتحويل ممالك الشرق إلى مستعمرات، وحكامه إلى مستعمرين. ولفظ «الاستعمار» من الأضداد فإنه يعني الإعمار والتعمير حسب الاشتقاق، ولكنه في الواقع يعني التخريب والاسترقاق والاستعباد، ولا تستعمر إلا البلاد الغنية في ثرواتها ومعادنها وتربتها لجهل أهلها وخمولهم. ولا تنفع المقاومة الضئيلة أمام المعدات الحديثة. وقد يدخل الاستعمار بلعبة حربية، انتصارا لأمير أو تثبيتا لملك أو قمعا لثورة وبدعوى الصداقة وحب الشعب ورقيه، الاستعمار تسلط دول وشعوب قوية على دول وشعوب ضعيفة وجاهلة. فالقوة والعلم أسباب حركة الشعوب والتاريخ إلى مناطق الضعف والجهل. فهو قانون تاريخي ثابت. والدول تخضع لقانون الحياة، القيام والسقوط، النهضة والانهيار، وهي قوانين الحياة والموت. الضعيف يخشى من القوي ويرهبه، والقوي يستذل الضعيف ويستعبده. استعمر الإنجليز الأمريكيين، فقام الأمريكيون بثورة ضد الإنجليز، وتحرروا من الاستعمار دون اللجوء إلى الشكوى. وقاد استقلالهم جورج واشنطن طبقا لقول الشاعر:

السيف أصدق أنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

كما استقلت ولايات العثمانيين، اليونان والعرب والجبل الأسود وبلغاريا ورومانيا وهي دويلات صغيرة مدافعة عن الحرية والاستقلال. لا يفرق الأفغاني إذن بين استعمار إنجلترا لأمريكا واستعمار الأتراك لدول شرق أوروبا، ويأخذ صف المستعمرين حتى ولو كانوا من النصارى ضد المستعمرين حتى ولو كانوا من المسلمين. لم يكن حضور آل عثمان في دول البلقان حضور الفاتحين المسلمين الأوائل، حضور العدل والحرية والمساواة والتعريب بل كان حضور المستعمر الأجنبي، حضور الظلم والقهر والاستغلال والتتريك.

12

ويحلل الأفغاني بمزيد من التفصيل وكثير من التكرار وعدم الترتيب سياسة إنكلترا في الشرق واستعمارها لمصر والهند والسودان وقمعها لثورة عرابي في مصر وثورة المهدي في السودان وقضائها على إمبراطورية المغول ثم على ثورات الهند المتعددة منذ القرن الماضي. ويبدأ بصورة فنية، وهو الخطيب الثائر

هلع على ما في البيت فهلوع لإغلاق الباب، فانخلع المصراع، وانفض الجدار من ورائه . هذا حال بريطانيا في الهند وقناة السويس. كانت تريد باب أمن، فانخلع الباب وانهدم الجدار. أرادت إنجلترا بعد احتلالها مصر أن تدخلها تحت حمايتها، وتبدل بالجيش المصري جيشا إنجليزيا. وتقيم في السودان سلطة مستقلة، وإرضاء المصريين بتنظيم أموالهم وتسكين روع العثمانيين. ثم قسمت الممالك في الهند، وأقامت لكل قسم حامية فيها حتى استولت على الهند تحت غطاء الإحسان الإنجليزي والاستبشار العثماني بما يحدث في مصر والهند.

ثم ظهرت الدعوة المهدية في السودان. وسارعت إنجلترا بالتدخل في مصر كطريق للهند. وسالت الدماء على سواحل البحر الأحمر. ونفرت القلوب من الإنجليز. وبدأ الخوف في المغرب الإسلامي وطرابلس الغرب والشرق الإسلامي. فجزيرة العرب باب الهند. وأرسلت إنجلترا جوردون باشا إلى السودان لتفريق كلمة المحاربين فشتتهم ظلما، وجلب قساوسة بروتستانت من السويد لنشر المسيحية بين المسلمين لإخماد الثورة، وأراد منح المهدي لقب أمير كردفان. ولكنه أخفق في سعيه. فذهبت قوة إنجليزية بقيادة الجنرال جراهام إلى سواحل البحر الأحمر لاسترجاع شرف بيكر وهس من الضباط الإنجليز الذين هزمهم أنصار المهدي. وغلبوا ثلاثة آلاف من العراة السودانيين، وقتل منهم ثمانمائة بدوي ومع ذلك لم تجبن القبائل وظلت تحارب وتقاوم. وقد فتك المهدي بعشرة آلاف جندي بريطاني مرة، ومرة أخرى بألفين وخمسمائة، وكلهم تحت مشاهير قواد جيش إنجلترا. فلا يفت في عزمه انهزام بعض المنتسبين إليه. تخيلت إنجلترا أنها نجحت وهنأتها الدول على انتصارها في معركة وكأنها نابليون الأول أو غليوم الثاني. وليس في أفكار غوردون أن يخمد الثورة ولكنها قد تهدأ قليلا بفضل العثمانيين والمصريين المتعاطفين مع المهدي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٥٤