تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما زال يغدق آلاء ويشفعها

بما يفوق أماني النفس بالعظم

فيطيع الشرقي الغربي منتظرا تحقيق الوعود. والغربي نفسه يعتبر الشرقي خاملا جاهلا متعصبا. أراضيه خصبة، ومعادنه كثيرة، ومشاريعه كبيرة، وهواؤه معتدل، والغربي أولى بالتمتع بكل هذا عن الشرقي، ويضع خطة للاستيلاء عليه. فالبقاء للأصلح. ويستعمل لذلك عدة أساليب، منها: إقصاء كل وطني يمكن أن يجهر بمطالب وطنية، تقريب الأسقط همة، والأبعد عن المطالبة بالحق، تفريق البلاد طوائف وشيعا، وإيثار واحدة على الأخرى حتى يقع الشقاق بينهما، ويتقارب كل منهما للأجنبي طالبا العون والتأييد ضد الطوائف الأخرى.

10

ولا يتم مطلب الاستقلال إلا بترقية النفس بالعلم الصحيح، والوقوف على مواطن الضعف، ومعرفة الواجبات، وكيفية تحقيق الهدف، واقتصاص الضعيف من القوي، واتفاق الكلمة، وجمع الأهواء. نهض الغرب بالعلم والعمل، وانحط الشرق بالجهل والكسل. الداء دفين في جسم الشرق يجب معرفته قبل طالب الدواء. والدواء هو العزة كما قال الشاعر:

عش عزيزا أو مت وأنت كريم

بين طعن القنا وخفق البنود

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتى يراق على جوانبه الدم

وهو دواء أخذه الغربيون فحقق لهم العظمة والاستعلاء. ووجده الشرقيون مرا فطرحوه جانبا كما قال الشاعر:

ولا يقيم على ذل يراد به

إلا الأذلان عير الحي والوتد

والأديب في الشرق يموت حيا ويحيا ميتا، بينما الأدباء في حياتهم أفقر الفقراء فإذا هم بعد الموت يصيرون بالرثاء وحفلات التأبين أغنى الأغنياء. فلا يلتفت إلى عظمائه إلا بعد مماتهم.

الشرق في حاجة إلى عمل جديد، وجيل جديد، وعلم صحيح، وفهم جديد لحقيقة معنى السلطان على الأجساد والأرواح وهو الدين، وجمع شتات أهل الأديان، وقبول الموت في سبيل الحياة، حياة الوطن. وقد تأسست جمعيات أهلية لتكوين جيل جديد لا يقرع باب السلطان ولا تضعف إرادته، ولا تهن عزيمته، ولا يغريهم الوعد بالمنصب، ولا تلهيهم تجارة أو مكسب، وارتياد المكاره لنجاة الوطن. ويؤول الأفغاني حديث الرسول

اشتدي أزمة تنفرجي

بأن الأزمة هي تلك الهمة التي يستثيرها في الشرقيين، وهي سنة الله في الخلق وأداة تحريك التاريخ كما قال الشاعر:

ومهما ادلهم الخطب لا بد ينجلي

وأظلمت الدنيا فلا بد من فجر

هذه الهمة هي التي خلقت مجد الأقدمين في العراق والشام والأندلس ضد روح اليأس والقنوط. لقد حاول الغرب إضعاف لغة الشرقيين والتدرج بقتل التعليم القومي، وتشجيع احتقار اللسان القومي، وإيهامه بعجزه عن الإبداع الأوروبي حتى ينفر الشرقي من لغته وآدابه ويقع في الرطانة الأعجمية واستجداء المناصب من الغربيين. ويمكن مواجهة ذلك بتعليم وطني، تكون بدايته الوطن، ووسيلته الوطن، وغايته الوطن.

لا ينفع في الشرق لسان ولا قلب طالما خلق المالك والمملوك، الأمير والصعلوك، العالم والجاهل سواء في العالم الصوري قبل الخلق المادي، وطالما يرى الشرقيون في الحقيقة مرارة، وفي الوهن حلاوة، وفي الذل هناء، وفي طلب العلا والعز الشقاء والعناء، المشكلة في الشرق إذن مشكلة سياسية، السيد والعبد، الراعي والرعية، وطالما لا يتم القضاء على هذه الثنائية، ثنائية الأعلى والأدنى، التصور الرأسي للعالم، الاستبداد الشرقي ينتهي كل إصلاح في الشرق إلى طريق مسدود، ويظل الشرقيون ضحية الوهم، ويعوج الشرقي باعوجاج حاكمه، ويستقيم إذا استقام. لذلك لا ينطبق على الشرقيين

مثلما تكونون يولى عليكم

بل ينطبق عليهم

مثلما يولى عليكم تكونون

ليس الحاكم من نوع المحكوم، بل المحكوم من نوع الحاكم. الأول طريق الديموقراطية والشورى، والثاني طريق الدكتاتورية والتسلط والقهر.

11

وكما لاحظ ابن خلدون من قبل أن المغلوب مولع بتقليد الغالب.

ولهذا التقابل بين الشرق والغرب طمع الغرب في الشرق. وامتدت مطامع الغرب إلى عموم دول الشرق. وأصبحت ممالك الشرق وأهله مهددة بأن يكون مصيرها مثل مصير مصر والاحتلال، والاحتلال سبب الفوضى وارتكاب المنكرات والتعدي والسرقات. فالشراك منصوبة والسقوط قريب إلا إذا نهضت الأمم الشرقية ووحدت كلمتها ونشطت عقولها، وعمل أولو العزم، وحفظت أسباب الملك، ومقومات الحرية والاستقلال. وشر أدواء الشرقيين اختلافهم على الاتحاد، واتحادهم على الاختلاف. وبعد تقسيم الدولة العثمانية إلى عشر خديويات، لكل منها استقلالها الذاتي في نظام لا مركزي، تطالب إيران وأفغانستان والهند الآن بالاعتماد على السلطنة حماية لها من مطامع الغرب وحتى يعود الشرق للشرقيين. كان هدف الأفغاني إذن إيقاظ المسلمين والشرقيين بالحجج والبراهين وإظهار فظائع حكمهم ليبين لهم أسباب الاستعباد والذل والمهانة لمن لم يسقط بعد من ممالك الشرق في براثن الاستعمار أو ليؤجل سقوطه ويلم شمله. ولكن انهيار ممالك الشرق كان لا يمكن إيقافه وهو في الانحدار لبعده عن الدين، والمسكنات لا تغني عن المرض والموت، وموت الأموات خير من ميت الأحياء، وكأن الأفغاني هنا مع حتمية التاريخ في السقوط والنهضة.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٥٣