تخليص الإبريز
وكل أدب الرحلات الذي حاول
علم الاستغراب
تحويله إلى علم دقيق.
8
وإذا كانت أوروبا قد وصلت إلى مبادئ الإسلام ومقاصد الشريعة بالعقل فإن أهل أوروبا يكونون مستعدين لقبول الإسلام إذا أحسنت الدعوة إليه. فالإسلام مقارنة بالديانات الأخرى يتسم بيسر العقائد وقرب تناولها. وأقرب الناس إليه الأمريكيون. فلا يوجد بين الإسلام وأمريكا عداوة كما هو الحال بين الإسلام وأوروبا، وقد تحققت نصف نبوءة الأفغاني، وانتشر الإسلام بين الأفريقيين الأمريكيين، الإسلام الأسود، وأصبح قوة مؤثرة في حياة الأمريكيين في الداخل والخارج بما يمثله من دعوة إلى الفضائل وسياسة خارجية لصالح الشعوب. ولم يتحقق النصف الآخر وهو تحول أمريكا إلى عدو للإسلام مع أوروبا خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والبحث عن عدو جديد. وقد لفت القرآن نظر الإفرنج إلى حسن الإسلام؛ لأنه يدعوهم بلسانهم، العقل والتجربة. ولكنهم يرون سوء حال المسلمين فيتراجعون عن الإسلام. ومن ثم يكون السبيل إلى الدعوة إلى الإسلام، التغير العملي والتحقق بالإسلام. فالقرآن أول من دعى إلى الوصول إلى الحقائق بالبراهين الفلسفية والبحث عن العلل. وقد كان العرب في الجاهلية لا شيء معهم. وبفضل القرآن ملكوا العالم، وفاقوا الأمم علما وصناعة، فلسفة وحضارة. وإذا استطاع القرآن ذلك قديما فهو قادر على أن يصنعه اليوم. العيب في المسلمين والتبعة على الأمة، الانصراف عن الأخذ بروح الإسلام والعمل بمعانيه ومضمونه، وانشغال المسلمين بالألفاظ والإعراب، والوقوف على الباب دون الدخول إلى المحراب. وكما لخص تلميذ الأفغاني القضية عندما ذهب إلى الغرب، فقال: رأيت إسلاما بلا مسلمين، وعندنا مسلمون بلا إسلام.
9 (3) الشرق والغرب
الشرق والغرب أحد مظاهر ثنائيات الأنا والآخر على مستوى المواجهة وكما بدت في الاستعمار الحديث. ويرسم الأفغاني صورتين للشرقي والغربي ويحدد معالمهما وخصائصهما التي تجعل الغربي يستعمر الشرقي، والشرقي يقبل استعمار الغربي. ويأخذ الإنجليزي نموذجا للغربي. فالإنجليزي قليل الذكاء عظيم الثبات، كثير الطمع والجشع، عنود صبور متكبر، على عكس ما هو شائع من ذكاء العربي. وواضح أن هذه الصفات إرادية أكثر منها ذهنية، رومانية أكثر منها يونانية. ويأخذ العربي نموذجا للشرقي. فالعربي أو الشرقي على عكس الإنجليزي كثير الذكاء، عديم الثبات، قنوع جزوع، قليل الصبر متواضع. فواضح أن صفات الشرقي هي العكس، صفات ذهنية، وعيبه ضعف الإرادة وجزعه وعدم ثباته وصبره ونقص طموحه. فكان من الطبيعي أن يستعمر الغربي الشرقي بهذه الصفات المتباينة. فالاستعمار إرادة بلا عقل. كما يثبت الإنجليزي على الخطأ إذا تسرع وقاله أو باشره، والشرقي لا يثبت على الصواب ولا على طلبه. فيفوز الإنجليزي على العربي بفضيلة الثبات، ويخسر العربي أو الشرقي كل حق لرذيلة التلون والتردد وقلة الثبات وعدم الصبر. استعمر الغربي الشرقي لثبات الغربي وتردد الشرقي وهي صفة أيضا من صفات الإرادة إيجابا وسلبا، والأفغاني يعيش في عصر نيتشه، وتوفي قبله بثلاثة أعوام. وما أكثر ما ورد في القرآن من ذكر للصبر
اصبروا وصابروا ،
والذين صبروا ،
ولو أنهم صبروا ،
وبشر الصابرين . والأمة العربية خاصة والمسلمون عامة أحوج ما تكون إلى الصبر والثبات. يستهويها الوعد الكاذب وترضى به ولا تصبر على الوعد الصادق، وتخسر في الحالتين؛ فالأفغاني لا يشخص الداء ولكنه يشير إلى الدواء. وربما تغير الأمر الآن بعدما أصبح الصبر داء لا دواء.
والمصريون خاصة والشرقيون عامة في لقائهم مع الإنجليز أو الغرب مثل رجل مثر ترك من الأموال والأملاك وخلفه ورثة سفهاء مبذرون. لذلك قضت الشريعة بالحجر على الوارث. وهذا الوصي هو الغرب. وفرق بين حجر الشريعة الذي يمكن أن يرفع وبين وصاية الغرب الباقية إلى الأبد فتتحول إلى استعمار وتملك واستعباد. ويتخذ الغرب ذريعة حفظ حقوق السلطان أو إخماد فتنة ضد الأمير أو إنقاذ نصوص الفرامين أي صكوك الدائنين أو حماية حقوق المسيحيين أو الأقليات أو حقوق الأجانب وامتيازاتهم أو دفاعا عن حرية الشعوب المقهورة أو تعليم أصول الاستقلال أو إعطاء الشعب حقوقه تدريجيا من الحكم الذاتي أو إغناء الشعب الفقير بالإشراف على موارد ثروته. ويصدق الشرقي هذه الدعوى كما قال الشاعر.