تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وقد يكون التقليد أيضا للقدماء والأسلاف وهو الأقل شيوعا عند الأفغاني؛ فتقليد الغرب أخطر من تقليد القديم الذي يمكن محاربته بضرورة الاجتهاد، ومن الطبيعي أن يقلد المسلمون آثارهم القديمة، آثار العرب والعجم المدفونة عند القدماء، الآثار العلمية والعملية، آثار الفتوحات والنهضة والعمران. ومع ذلك فالمسلم، عربيا كان أم أعجميا، إنما يعجب بماضيه وتراث الأسلاف، وهو في أشد الغفلة عن حاضره ومستقبله وكيف يجب أن يكون.

ليس الفتى من قال هذا أبي

ولكن الفتى من قال ها أنا ذا

3

ويأخذ الصراع بين الأصالة والتقليد شكل الصراع بين الأجداد والأحفاد. يعيب الأفغاني على الأحفاد عدم اتباع سنن النبي، والفخر بالثبات والصبر والإقدام والبسالة والاعتصام بحبل الله، ويدعوهم إلى استلهام الأجداد. ويستنفرهم للتمسك بالأصالة التي يرمز لها الأجداد. فللأحفاد حق في ميراث الأجداد. وفي نفس الوقت يؤيد الأفغاني الشباب في معركتهم ضد الشيوخ. فمن سفه الرأي أن يعتقد الرجل أفضليته على الغير بالعمر والمشيب فقط. وربما أفادت السنون تجارب ولكن الأقدمية لا تجدي الأفضلية غالبا. ليست الأفضلية بالعمر والزمن ولكن بالعمل. وتجربة العمر قد تكون أقل من علم الشباب. العلم قد يكون في الأحداث ولكن التجارب لا تكون إلا في الشيوخ، وبالرغم من أن كثيرا من الآباء يستميتون ليحيوا أبناءهم فقليل من الأبناء لا يستثقلون طول حياتهم ويستعجلون موتهم. فالآباء أكثر رحمة من الأبناء، والأبناء أكثر قسوة على الآباء.

4

والسبيل إلى تجاوز التقليد هو العودة إلى الأصول الأولى المبرأة من البدع، والتي تؤدي إلى الاتحاد ولم الشمل، وتفضيل الشرف على لذة الحياة، والحث على الفضائل. والدليل على ذلك تاريخ الأمة العربية ونبوغها العلمي في الماضي بعد أن عرفت طب بقراط وجالينوس وهندسة إقليدس وهيئة بطليموس وحكمة أفلاطون وأرسطو. ودليل آخر اليابان الحديثة. ليس صحيحا أن اليابان قد ارتقت بتقليد الغربيين دون توسط الدين. فاليابان مثل الصين أخذت بالأفضل، تركوا الأوثان وأخذوا العلم، وقلدوا الغرب على نحو صحيح، وأقاموه على قواعد المدنية السليمة والمتفقة مع أخلاقهم وعاداتهم، ونبذوا ما كان مألوفا في الغرب ولا يوافق طباعهم. أخذوا بالتدريج والارتقاء، لا فرق بين ذكر وأنثى في التربية على حب الوطن. لم تقم اليابان حضارتها على وثنيتها بل على العلوم الحديثة وعلى أخلاقها وآدابها. اليابان أمة شرقية مثل الصين ومصر تعتمد على العلم والعقل كما نص القرآن

وما يعقلها إلا العالمون ،

هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، وكما أوصى الحديث

اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد . ومما ساعد اليابان في نهضتها العمرانية ميل الإمبراطور الميكادو «العادل» إلى تقييد الحكومة بالدستور وقبوله الشورى. فبعث البعثات إلى أوروبا لتعليم أسرته أشكال الحكم النيابي الدستوري وقواعده حتى تعجب إمبراطور النمسا من شدة رغبة إمبراطور اليابان في الحكم الدستوري النيابي، وهم يريدون التخلص منه في الغرب. وذهب تعجبه عندما أخبره إمبراطور اليابان بأنه يقيم حياته على أربعة أشياء: بلاده، ورعيته، والعدل، وأخيرا احترامه لنفسه. ولا تتحقق هذه المبادئ الأربعة إلا بالحكم النيابي الدستوري. تعلمت اليابان أنه لا قوة مع الجهل، ولا ضعف مع العلم. فتحملت جور الغربيين، وأخذت بالتقليد الصحيح، وأرسلت البعثات إلى أوروبا بالمئات في العلوم والفنون. وبعد ربع جيل انتظمت المحاكم وعم العلم، وانتشرت المدارس الوطنية، وأسست هيئات اجتماعية وقومية حديثة صحيحة دون تقليد للإفرنج. ورفعت التهم عن الشرقيين بأنهم لا يحسنون الإدارة أو معرفة الحقوق أو العدالة. استعملت اليابان أولا عددا من الإخصائيين الأجانب ثم تفوق اليابانيون عليهم وأخرجوهم من بلادهم بعد أن أصبحت اليابان دولة شرقية متفتحة، مع أن مصدر شقاء باقي الشرقيين الامتيازات الأجنبية، والمحاكم المختلطة الأجنبية التي تحابي الأجنبي على الوطني. والناس أبناء ما يحسنون. ولله في خلقه شئون.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٤٩