تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

فواضح إعجاب الأفغاني بتجربة اليابان التي يقارنها بتجربة محمد علي، الجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الماضي والحاضر، بين العلم والحرية. ولا يفصل الصين كما يفصل اليابان.

والاجتهاد عند الأفغاني طريق التمسك بالأصالة والمعاصرة في آن واحد، والبعد عن تقليد القدماء والمحدثين. الاجتهاد ضد التقليد. فباب الاجتهاد مفتوح. ولم يغلق باب الاجتهاد لا نصا ولا عقلا ولا واقعا. وينكر الأفغاني كل قول يسد باب الاجتهاد. بل إن الاجتهاد عند الخلف أكثر منه عند السلف. فما أقل المجتهدين في السلف وما أكثرهم في الخلف. ويرفض قول القاضي عياض في إحدى المسائل. فهذا اجتهاده الذي قد يؤدي إلى الجمود. ويحق لغيره ومن يأتي بعده أن يجتهد من جديد نظرا لتبدل الأزمان. فلماذا يقال باب الاجتهاد مسدود؟ وأي دليل نصي أو عقلي أو تاريخي يدل على ذلك؟ وأي إمام قال إنه لا ينبغي لأمير أن يجتهد بعده والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجيات الزمان؟ ولو عاش أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل اليوم لجددوا مذاهبهم القديمة طبقا لظروف العصر. واجتهاد القدماء ما هو إلا قطرة من بحر

وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء . لقد نزل القرآن بلغة العرب

وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ،

إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ،

إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ، وذلك من أجل أن يفهم وأن يعمل الإنسان بالعقل لتدبر معانيه وفهم أحكامه ومقاصده. وفكر الأفغاني هو فكر شرعي يقوم على الاجتهاد عن طريق الالتحام المباشر بالواقع والتنظير المباشر له اعتمادا على روح الإسلام ومقاصد الشريعة وليس القياس الفقهي القديم الآلي الثابت، تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لتشابه بينهما في العلة. فالنص هو الواقع، والعلة مقاصد الشريعة، والفرع أحوال المسلمين من استعمار وقهر وتسلط وتخلف وتجزئة، والحكم هو النضال والثورة. يعتمد على المعقول والمنقول والمعاش. والاجتهاد مذكور بنص القرآن.

ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ،

فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون . لقد أضر جمود بعض المستعلمين بالإسلام والمسلمين. لذلك يفتخر الأفغاني بصفات التعقل والتروي وانطلاق الفكر من الأوهام. نعم، في الإمكان أبدع مما كان. وتعجز العين المجردة عن رؤية الأشباح والأجرام البعيدة، وتستعين بالمجاهر والنظارات. وإذا كان على مستوى الخلق ليس في الإمكان أبدع مما كان فإنه على مستوى الصنعة هناك باستمرار في الإمكان أبدع مما كان. والعصامي قد يكون لمن يخلفه عظاما. والعظامي فقط قد يبقى وارثا للعظام.

6 (2) الإسلام والنصرانية

ويتجلى الصراع بين الأنا والآخر في الإسلام والنصرانية، أو الشرق والغرب، أو التحرر والاستعمار، أو السقوط والنهضة، ويبدأ الأفغاني بآية قرآنية

إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد

من أجل النظر في التاريخ، والإجابة على سؤال شكيب أرسلان تلميذه: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ ويبدأ بتقرير واقع حسي بديهي، أن الله خلق الإنسان عالما صناعيا، ويسر له سبل العمل، وهداه إلى الإبداع والاختراع، وقدر له الرزق من صنع يديه، يفلح الأرض ويرعى الحيوان، ويخيط الملابس، ويبني المساكن تحقيقا لفكره وإبداعه. ولو لم يعمل ويجتهد لعاش عالة على غيره يستجدي العون. وهو في فكره وعمله في حاجة إلى من يرشده ويعلمه وهو الدين. فالدين مرشد للحياة. وتتنازع في الإنسان صفتان متناقضتان: الشجاعة والجبن، الجزع والصبر، الكرم والبخل، القسوة واللين، العفة والشره، الكمال والنقص. لذلك احتاج إلى التربية منذ طفولته الأولى لتنشئة الإنسان على الفضائل دون الرذائل. وتبدأ في الإنسان ثلاثة بواعث: الأول يرفعه نحو الأسرار الإلهية وبالتالي اكتشاف الدين، والثاني نحو الخواص الطبيعية وبالتالي اكتشاف العلم، والثالث نحو الحقائق الإنسانية وبالتالي اكتشاف العلوم الإنسانية. ويعتمد في إشباع هذه البواعث على كل ما اختزن الآباء والأمهات والأقوام والمربون. أما التكوين البدني فلا شأن له بالاستعدادات الذهنية إلا قوة أو ضعفا. الاستعدادات موجودة بالطبع، ويختلف الناس فيها قوة وضعفا، فطرة واكتسابا. قد يتفوق فيها السابقون على اللاحقين، وقد يتفوق فيها اللاحقون على السابقين. ويظل للروح سلطان على البدن والذهن كما يقضي بذلك العقلاء.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٥٠