تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولن تجد لسنة الله تبديلا . هنا تصدق الآية القرآنية قانون التاريخ، ويكون القانون تحقيقا لمناطها كما يقول الأصوليون. لذلك اشتمل القرآن على تدبير المالك وأصول الحكم الشورية ووظائف الملوك، والإشارات إلى مقدمات العلوم والفنون الحديثة.

30

وعلى هذا النحو يحتاج الملك إلى أمة أكثر مما تحتاج الأمة إلى ملك. فقد رأينا شعبا يعيش بدون ملك، ولكن ما رأينا ملكا يعيش بدون شعب. ومع ذلك فسؤدد الأمة معقود بقادتها طالما وجد الاثنان؛ الشعب والملك. لذلك تحتجب الحقائق عن الملوك بقدر تحجبهم من الأمة. الملك هو العالم بأحوال شعبه وليس الذي يسكن في قصره بمعزل عن الناس، والصراحة هي أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم منعا لازدواجية الخطاب والسلوك بينهما. يقول الحاكم ما لا يفعل، ويؤيد المحكوم وهو لا يرضى. والأمة التي تطعن حاكمها سرا وتعبده جهرا فإنها لا تستحق الحياة. والأمة بأفرادها. والشمم بالتجرد عن النفع الذاتي وطلبه في النفع العام. فالفرد للجماعة والجماعة للفرد. وما مات أحد في حب أمة إلا وأحبته. ومن أحب الحياة فإنه يموت في سبيل حياة أمته. ومن طلب الموت في سبيل حياة الوطن إما أن يموت بطلا شهيدا وإما أن يعيش سيدا عزيزا. ولا أمة بدون أخلاق، ولا أخلاق بدون عقيدة، ولا عقيدة بغير فهم. وخير موازين الأمم أخلاقها.

31

الفصل الخامس

| الأنا والآخر

(1) الأصالة والتقليد

وانتقالا من الفلسفة النظرية إلى الممارسة العملية يضع الأفغاني ثنائيات الصراع بين الأنا والآخر التي تتجلى في الأصالة والتقليد، والإسلام والنصرانية، والشرق والغرب؛ فالتقليد أيا كان اتجاهه يؤدي إلى سقوط الهمة والعجز. فساقط الهمة من علم الفضيلة وصدق الدعوة ولم يبادر إليهما، بل ينتظر أن يكون تابعا ومقلدا لغيره فيهما. والتقليد يرفض الدين، وليس مصدرا من مصادر العلم عند المتكلمين والفلاسفة والأصوليين. ومن قال إن الدين يأمر بالعسر دون اليسر، بالضار دون النافع لمجرد التقليد والمألوف، فهو كذاب؛ فالحقيقة لا تؤخذ إلا بالبرهان ولا يحصل عليها بالتقليد . والطريق الصحيح للمعرفة، وهو البرهان، أضمن للمعرفة ذاتها بالتقليد. ولو كان لا بد من تقليد خاصة بالنسبة للعامة، فتقليد نافع ثبتت منفعته أولى من تقليد مألوف ثبتت مضرته. فالنفع هنا شفيع لنقص الاجتهاد. ويظل التوازي قائما بين الاجتهاد والتقليد، والمنفعة والضرر.

1

ويكون التقليد لجهتين، تقليد الغرب وتقليد القدماء. تقليد الغرب غالبا من الشباب، وتقليد القدماء غالبا من الشيوخ. يقلد الشباب الغرب بمجرد تعلمه لغته والتأدب بآدابه دون فهم لتجربة الغرب وتدرجها ومعناها. ويعتقد أن كل العيوب والرذائل ومظاهر الانحطاط ومعوقات التقدم في قومه. فيسير في تقليد الغرب، يجل الآخر، ويسفه الأنا. يعطي الآخر أكثر مما يستحق، ويعطي الأنا أقل مما تستحق. يأنف من الاشتراك في أي عمل وطني، ويسارع بالاشتراك في عمل الأجنبي ولو كان اسما. يعيب كل شيء في قومه، ويقدس كل شيء عند الغريب. يسهل له مقاصده، ويطلعه على معايب قومه، ويساعده على أهله. وقد يصل الأمر إلى حد الخيانة للوطن واستعباد الغرب له، مؤثرا مصلحته الخاصة على مصلحة الجماعة. وسواء تم ذلك عن علم أو جهل فقد ابتلي الشرقيون بهذه العلة. والأزمة في ازدياد حتى يستيقظوا عندما يصل الأمر إلى دين لا يتعبدون به، وتجارة دون مال أو مجال، وفقدان الحرية الشخصية، ووقوع في القهر والذل. ولا فرق في ذلك بين مسلم ومسيحي. فكلاهما في التقليد سواء؛ لأن التقليد موقف حضاري لا ينبع من دين أو طائفة. وقد يشعر المسيحي ببعض الميزة على المسلم في تقلد الوظائف لمسيحيته ومعرفته باللسان الأجنبي، فيقربه الأجانب ويوالونه. فيقع التنافر، وتحدث الفرقة في الأمة. وكلاهما متساويان في المذلة والهوان. والعجيب أن هذه الأمة التي وقعت في تقليد الغرب كانت مبدعة في ماضيها. أمة لم تكن شيئا، وأصبحت كل شيء في العلم والعمران، ودانت لها الشعوب والأقوام. ثم وهن البنيان، وضعف التعاون، وتقطعت الأوصال. ومن ثم فإن هذه الأمة في حاجة إلى تربية جديدة حتى تبدع في الحاضر كما أبدعت في الماضي. ويضع الأفغاني قواعد لتربية الأمم لا عن طريق الجرائد الأجنبية بل عن طريق تعلم القراءة والكتابة لفهم الحياة الوطنية، وليس عن طريق إنشاء المدارس العمومية دفعة واحدة على النموذج الأوروبي لحاجة ذلك إلى سلطان قوي، بل عن طريق المدارس الأهلية القادرة على التعليم الوطني. ولا يتم ذلك تدريجيا بالضرورة؛ لأن الأمة لا تعرف هذه العلوم الغريبة عنها ولا كيف بدأت، وفي أي تربة نبتت. ويكفي نقلها كما فعل العثمانيون والمصريون؛ لأنها ارتبطت بالبيئة التي نشأت فيها، وبنظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنساني. لذلك لم ينجح النقل من الخارج. وبدلا من التشدق بألفاظ الحرية والوطنية دون فهم لمعانيها يمكن البحث عن هذه المعاني أولا والتعبير عنها بعديد من الألفاظ الموروثة أو الوافدة. ويمكن أيضا تغيير عادات الشرقيين وقلب أوضاع المباني والمساكن وتبديل هيئات المأكل والملبس والفرش والتنافس مع الأجنبي فيها بعادات أصيلة جديدة أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر. لكل أمة طورها الحضاري، ولا يمكن انتحال طور أمة لأمة أخرى أو تقليدها كما حدث للأفغان من تقليد الإنجليز، فأصبحوا أعوانا لهم وامتدادا. ولا يمكن النضال ضد الاستعمار بتقليد المستعمر بالرغم من مقولة ابن خلدون بأن المغلوب مولع بتقليد الغالب إما إحساسا بالنقص أمامه أو لمحاربته بسلاحه.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٤٨