ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ،
إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها
هذه سنة الله في الكون.
26
وما يقال على الدولة يقال أيضا على الجيش. فإن قبول الدخلاء والمتطوعة، أي المرتزقة في الجيش مفسدة للنظام ومن عوامل الانهزام.
27
والعدل أساس الملك. وهو من أشرف الصفات وأسمى الفضائل. يحفظ المجتمع الإنساني، وعليه تقوم الممالك ويتأسس العمران. وهو وسط بين الجور والظلم من ناحية والخرق والتسيب من ناحية أخرى. ويلجأ الأفغاني هذه المرة إلى قانون التاريخ استقراء وليس إلى الآية القرآنية استنباطا. فالتاريخ يشهد على أن دول المؤابيين والرومان والآشوريين والمصريين والتتار وحكامهم كانوا على نوعين: الأول فاتح لا يأبه إلا بالغنائم والقتل والغزو، إعصار ينتهي. والثاني يحكم بالعدل فيدوم الحكم ويبقى أثره مثل كسرى أنوشروان الذي كان عادلا بالفطرة ومثل الفاروق الذي كتب إلى عمرو بن العاص
أكسرى أعدل منا؟
وأمره بهدم حائط مسجد بعد أن أخذه عنوة من يهودي وبغير رضاه بناء على حب العدل لذاته. في حين أن أحد أجداد كسرى وهو أبرويز أحب فتاة فرفع الظلم عن قريتها، ليس حبا في العدل بل حبا للفتاة. فانقضى العدل بانقضاء الغرض. وقد عدل المسلمون الفاتحون مع الرهبان والولدان والشيوخ وبناء على وصايا الصديق والفاروق والخلفاء الأمويين والعباسيين، بلا غرض أو غرور بل حبا للعدل في ذاته. أما سلاطين آل عثمان فلقد فتحوا البلاد بدافع الغرور بما لديهم من قوة وبأس، وما اعتقدوه رحمة وعدلا. كان العدل عرضيا لا جوهريا. لذلك سمح آل عثمان للأجانب كمترجمين بالتواجد في الدولة حتى تحكموا في البلاد واستطالوا على العباد، وصار الوطن محكوما ذليلا للأجنبي. إذا قتل اليوناني العثماني أنقذه القنصل كما كان معروفا في المحاكم المختلطة في مصر إبان الاحتلال الإنجليزي، اعتبر الإنجليز أنفسهم من طينة غير طينة الآدميين، ولا يجرءون على مثل ذلك مع باقي الأوروبيين مثل البلجيك أو السويسريين والدانماركيين. هناك إذن فرق بين عدل يأتيه الفاتح عن علم وحب بإجراء العدل والأخذ به وبين ما يأتيه من غرور وإتيان العدل لبواعث من خارجه. وأقرب موارد العدل القياس على النفس، وقبول للغير ما يقبله الإنسان لنفسه. بالعدل تتحقق المساواة والوفاق والوئام، وبالأثرة تتحقق الأنانية والنفرة والخصام. وكان الأفغاني يقسم بالعدل،
وعزة الحق، وسر العدل .
28
ويقرن الأفغاني العدل بالقوة. فخير ما يحتاجه الشرق من الملوك القوي العادل. ولا خير في العادل الضعيف كما أنه لا خير في القوي الظالم. وهو الموقف الفقهي القديم في الجمع بين العدل والقوة. والجبن أقبح عيوب الملوك؛ لأن عيب الكبير كبير، ويحتاج الملك الجبان للصعلوك الشجاع؛ فالشجاعة قوة، والجبن ضعف، وعظمة الملك لا تكون بالتيجان بل بالقوة والعدل. ولكن أكثر أمراء الشرق إذا ألقي أحدهم في أضيق جب من الاستعباد وحفظت له ألقابه الضخمة مجردة حسبها عرضها السموات والأرض، لأنه أصبح ألعوبة في أيدي الأجنبي. ومع ذلك لا يكون الملك القائم على العدل والقوة مظهر رهبة من الناس. فمن رهب الملوك بغير جريرة فهو الصعلوك. ومهابة تصدر عن كرسي الحاكم لا عن عدله وفضائله أقرب للسخرية منها إلى الاحترام.
29
والحكم العادل القوي هو الحكم الديمقراطي. والتحول من التسلط إلى الديمقراطية سنة تاريخية وسنة إلهية، لا فرق بين قوانين التاريخ والآيات القرآنية. الحكم للعقل والعلم. وإذا ما تحول إلى جهل يظهر الحكم المتسلط. والتفرد بالسلطة وسوق الأمم على هوى الفرد يزيل العالم ويحوله إلى خراب. والأمة التي لا تستشار في مصالحها وليس لها حل ولا عقد في إرادتها تكون خاضعة لحاكم واحد، وإرادته قانون، ومشيئته نظام. لا ينضبط لها سير، ولا تثبت للرجال، وتتأرجح بين السعادة والشقاء، بين العلم والجهل، بين الغنى والفقر، وبين العز والذل. فإن كان الحاكم حازم الرأي، رفيع الهمة، قويم الطبع، عدل السياسة صلحت الأمة. وإن كان سيئ الطبع، سافل الهمة، خسيس النفس، فسدت الأمة. فساد الأمة بفساد حاكمها إذا كان الحكم فرديا. لذلك وجبت استشارة أهل الرأي. هنا يقترب الأفغاني من نظريته الشهيرة في المستبد العادل، الذي يجمع بين العدل والقوة وإن ضحى بالشكل الديمقراطي. فقد لا يحكم قوم من غير قاهر من أهله وكأن الاستبداد طبيعي في الحكام. وقد يعبر الأفغاني هنا عن عصر محمد علي وبسمارك وقيصر روسيا وعصر الميكادو في اليابان وربما عن نظرية الاستبداد الشرقي عند مونتسكيو. ولكنه يسخر في النهاية من الجبروتية والفرعونية التي تساق بسياسة بقروتية؛ فالفرعون الجبار لا يسوق شعبه إلا بسياسة الأبقار. ويستشهد الأفغاني بتاريخ الغرب وصراعه من أجل الديمقراطية؛ فبالرغم من تجزئة الغرب واستقلال عناصره بميزات قومية إلا أن الغربيين تساووا نسبيا بينهم بالفضائل وأهمها العلم بالواجبات والحقوق، ما لهم وما عليهم، فانتفى منهم التفرد بالسلطة وسوق الأمة على هوى السلطان، وسينتهي الحكم المطلق في التاريخ تدريجيا طبقا لمقتضيات الفطرة كما حدث في الغرب. إذ تحكمه الشورى، وصارت كل أمة في مأمن من أن تغزوها الدول المجاورة، ومتى ساد العلم في أمة فإن أول ما تناهضه هو هذا الشكل الفردي في الحكم وتعمل على التخلص منه. هذه سنة الله في الكون