تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

والعلم هو طريق التربية والتحول من فضيلة للفرد إلى فضيلة للجماعة. فالعالم إن كان أعزل فهو بعلمه اجتماعي، والجاهل وإن كان اجتماعيا فهو بجهله أعزل. وهو صادق على مصر وفي هذا الزمان، زمن تحرير الأرقاء وإسارة الأحرار. وتنهض الأمة ضد الوصايا عليها بإثبات كفاءتها وترقيتها بالعلم والأخذ بأسباب حكم ذاتها بذاتها. وهو ليس أمرا سهلا. العلم سلاح التحرر كما أن القوة أداة الاستعمار. وإذا كانت الدول حفاظا على مستعمراتها تحظر إدخال الأسلحة حتى لا تستعمل ضد الاستعمار فإنها تحجر على العالم؛ لأنه ليس أقل خطرا من إدخال السلاح إلى المستعمرات. فحياة الشرقيين بالعلم الصحيح، وموت لحكم الغرب فيهم وفك الحجر عنهم. والعكس صحيح أيضا من أجل يقظة الشرقيين وحصولهم على الاستقلال بدأب متواصل، وهمة لا تفتر، وعزيمة لا تكل.

11

والعلم هو العلم الوطني؛ إذ يمنع الغربيون الشرقيين بطرق خفية ترقيتهم لأنفسهم بطريقة وطنية خاصة بهم، ويعرقلون مساعيهم، ولا يسهلون وسائل تهذيب أخلاق مجموعهم بل يقومون بالعكس. وبالتالي لا يمكنونهم من التوصل إلى الحكم الذاتي بأساليب المكر والمغالطة والاستعانة ببعض أهل البلاد عليهم من الأسقط همة. مدارس الحكومة بها سموم للوطن يمكن إغلاقها والتعويض عنها بالمدارس الأهلية. مدارس الحكومة لا تسلم من ضرر لما فيها من علوم غير نافعة لا يحتاجها المتعلم، وفنون لا فائدة منها تترك التلميذ عليل الجسم والعقل، لا ينظر إلى كتاب، خياليا، وهاما، نفورا من العمل، جامدا فيما تعلم، بليدا فيما يعمل. وتخشى المدارس الحكومية من المدارس الوطنية وحب الوطن؛ لأنها تحت وصاية الأجانب حتى يظل الطلبة تحت الوصاية. وكلاهما مر. أما المدارس الأهلية الوطنية فهي التي تجمع بين العلم والوطن. فهي دور علم وعمل، ليس فقط داخل القاعات بل أيضا خارجها لمزاولة العمل. كل علم بالعقل يتبعه عمل بالأعضاء. فيعمل الطالب بالحدادة والنجارة والبناء مع الرفاق، ويربي الحيوان، يحلب الأبقار، ويصنع الجبن، ويستخلص السمن والزبد مما ينفعه جسديا، ويفيده ماديا بعد التخرج. هو رجل علم وعمل، لا رجل غطرسة وعجرفة وكسل، كل على أهله، كثر لا ينتفع بهم أحد. ومن فاته سن التعلم من الرجال والكهول بالدروس يمكن للنوادي الوطنية والمحاضرات العامة أن تقوم بنفس الدور، وكذلك باختلاط أبناء الطوائف ومعرفة طرق النهوض بالوطن بالخطب والمثال الحسن والتذكير والتحذير أي بالنشاط الثقافي الوطني العام. والدين عبادات ومعاملات، العبادات للرب بمعزل عن الناس، لا يعارض غيره ولا يعارضه غيره، لكل وجهة هو موليها، نصارى ومسلمين ويهود، من نفس واحدة. أما المعاملات فهي للعموم، المساواة في الوطن، والتعاون والتفاضل فيه، والعمل في المدرسة سويا والتخرج إخوانا مع الولاء للوطن والإخلاص له دون حل لرباط الوطن أو نسيان عهد الصبا. هم في جسم الوطن كأعضاء الجسد الواحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الأعضاء كما هو الحال في الحديث المشهور. سماء واحدة، وأرض واحدة، ووطن واحد، ولغة واحدة، ومقاصد واحدة. وواضح أن تصور الأفغاني للعمل هو الزراعة وليس الصناعة التي لم تكن قد ازدهرت في عصره. كما أن الزمن قد تغير من الدفاع عن التعليم الأهلي الوطني إلى تحول التعليم الأهلي إلى خاص أجنبي في عصر الخصخصة. ولا ينسى الأفغاني من التنويه بضرورة تربية المرأة من أجل حسن تربية الأطفال والصبيان؛ فالأمم تتعهد الطفل رضيعا للكمال، الصحة والعقل، وترضعه حب الوطن مع التدرج في العلوم، وإفساح المجال للنور الفطري إبعادا له عن الكذب وتحبيب العلم إليه وتمرينه عليه.

12

ويعطي الأفغاني عناية خاصة لموضوع المرأة؛ فالمرأة شريكة حياة الرجل. فإذا اتخذت المرأة لفضلها شريكة حياة نعمت الشركة وطابت الحياة. وإذا ما اتخذت لمحض الشهوات كانت شركا للممات. المرأة عون الرجل، من صنع الأم، فكيف تترك هذه المنزلة؟ وإذا كانت حاجة الكون للرجل مرة فحاجته إلى المرأة كرة. ومع ذلك عاش الأفغاني أعزب. وكلما اشتكى له أحد كثرة العيال وقلة المال قال:

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٤٠