تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأثقلت ظهري بالذي خلف ظهري

ومستشهدا بقول أبي العلاء:

هذا جناه أبي علي

وما جنيت على أحد

لم يتزوج الأفغاني؛ لأن الزواج يتطلب العدل وهو ما يعجز عنه، والطبيعة قادرة على التكيف. ومن ترك شيئا عاش بدونه. يقوم الأفغاني بواجباته تجاه السلطان. أما الزواج بالجارية الحسناء فلها أكفاؤها، وإذا أصر السلطان على ذلك فالأفضل للأفغاني أن يكون خصيا ويقطع أعضاء التناسل، وكأنه عدو المرأة كما يقال على بعض المفكرين المعاصرين. وقد قل من الرجال من يعرف الهناء بغير النساء، وندر منهم من لا ينسب شقاءه إليهن. والأقرب إلى الصواب أن يقال فيهن ما يقال في الأولاد: وجودهم بلاء وبلاهم بلاء!

13

والموضوع الرئيسي الذي يتطرق إليه الأفغاني هو موضوع المساواة بين المرأة والرجل الذي طالما هاجم فيه المستشرقون والمتفرنجون الإسلام، بداية بموضوع السفور. فلا مانع من السفور إذا لم يتخذ مطية للفجور. والحجاب له أنصاره وخصومه، وهو ستار إذا رفع فجأة تظهر شناعة الخلاعة والتبرج والفجور. أما السفور المعقول التدريجي فلا غبار عليه. وهنا يبدو الأفغاني انقلابيا ثوريا في السياسة، تدريجيا في التغير الاجتماعي. لذلك لا بد من تحديد صريح للمعاني المطروقة مثل مساواة المرأة بالرجل والحجاب ورفعه حقوق المرأة والغاية المرجوة من ذلك حتى لا يتحول إلى هتك الحجاب وهو عند الأفغاني مثل هتك العرض.

والموضوع كله ناتج من تقليد الغرب من بعض الناشئة في الشرق والمتفرنجين. فهم الذين يطالبون بمساواة المرأة بالرجل في التكوين وهو مستحيل. فالمواهب الفطرية لا مجال فيها للاكتساب. والعلوم المكتسبة على نسب مختلفة. فهل تستطيع المرأة ذلك؟ ويستشهد الأفغاني بالمتنبي في نقده للشرقيات المقلدات للغربيات ومدح أخلاق البداوة ونقد أخلاق الحضارة.

حسن الحضارة مجلوب بتطرية

وفي البداوة حسن غير مجلوب

أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها

مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب

ولا برزن من الحمام مائلة

أوراكهن ثقيلات العراقيب

وينتهي الأفغاني إلى أن المساواة بين المرأة مع الرجل ضد الطبيعة؛ إذ يقوم المجتمع على دعامتين: المرأة والرجل ولكل منهما تكوينه الخاص طبقا لعلم التشريح. وهذا من حكمة الطبيعة التي أحكمت الصنع، فتبارك الله أحسن الخالقين. الرجل للعمل في الخارج والمرأة للعمل في الداخل. وهذا ليس رفعة من شأن الرجل أو حطة في شأن المرأة وإذا لم تساو الطبيعة بين الرجل والمرأة بالتكوين فعبثا نحاول مساواتها بالأقاويل. وعمل واحد تختص وتقوم به النساء تعجز عنه رجال الغبراء. وقوة المرأة بضعفها. وتبلغ المرأة بضعفها ما لا يبلغه الرجل بقوته. الموضوع إذن به سفسطة كبيرة بالمطالبة بمساواة المرأة بالرجل بالرغم من الفروق الطبيعية. ويستعمل الأفغاني نظرية التطور التي نقدها من قبل في «الرد على الدهريين» مبينا أن المرأة والرجل كانا في مستوى واحد من التطور ثم سبق الرجل المرأة. وقوته أتته تدريجيا عبر العصور بعمله في الخارج ومصارعته الحيوانات وعمله في الأرض والحرب. ويذكر دعاة المساواة التاريخ، تاريخ مساواة المرأة بالرجل أيام الرومان، ويستلهمون عصر شيوع المرأة، وأن الولد لم يكن يعرف أباه بل كان ينسب إلى أمه. ولا يمكن الدعوة إلى ذاك اليوم. والتطور يخلق الأنسب والأنفع والأصح صناعة وأخلاقا واجتماعا. انتقل الإنسان من العصر الحجري إلى العصر الحديدي لمنفعته، ولا يمكن للتاريخ أن يرجع إلى الوراء. وقد ولد شيوع النساء وعدم طهارة الأزواج الزنا والسفاح وما يسببه من أمراض. الدعوة إلى المساواة ضد حكمة الوجود وثنائية الرجل والمرأة كي يصبح في الكون جنس واحد، رجلا أو امرأة، وتغيب الأم مربية الرجال. واجب المرأة في البيت. وأهم واجباتها صناعة الرجل. المرأة هي التي تهيئ الرجل للمجتمع، وهي أسمى مهمة للمرأة. قوة المرأة في ضعفها، وفضل الرجل في قوته وضعفه أمام المرأة. والمساواة خروج على الفطرة والطبيعة، غاية التطور بقاء الأنواع. ومع ذلك يعتبر الأفغاني أن للهيئة الاجتماعية دعامتين: الرجل والمرأة، ولكن الرجل تطور وارتقى، والمرأة جمدت وتوقفت. ويجعل الرجل مسئولا عن ذلك، يقتل مواهبها باسم الدين مرة، وباسم ضعفها الجسماني مرة أخرى، مع أنهما في البداية كانا متساويين في التكوين. الاستثناء الوحيد الذي يعترف به الأفغاني خروجا على القاعدة هو عائشة وركوبها الجمل. ولا يعتبر ذلك فخرا تتشبه به النساء. وقد تنبأ به الرسول وأدانه. أما ذهاب النساء إلى ساحات الحروب لخدمة الجيش فهو مستحسن إن لم يكن هناك زوج قعيد أو والد ووالدة وأطفال. فالجهاد فرض على كل مسلم ومسلمة. واستثنى منه المعيل، واشترط موافقة الوالدين؛ فخدمة الوالدين جهاد. فإذا لم يكن للجهاد مانع، زوج أو ابن أو أقارب كانت خدمتها في الجيش حسنة.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٤١