تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ،

ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون . ويحولها إلى تحليلات نفسية وتاريخية، فردية وجماعية لإثبات أن الوحي الإلهي والفطرة الإنسانية شيء واحد؛ فالأمل وطلب المجد شيء فطري. ومحبة الشرف في قلب الإنسان. والإنسان يسعى إلى المجد بالإلهام الإلهي ويواجه المخاطر لأجله. وكل أمة نالت مطلبها من المجد نالت حظها من السؤدد،

ذلك تقدير العزيز العليم.

الأمل ينير الطريق، ويبعث الهمم، ويعيد الحياة للأموات. الأمل وحب الكرامة طبيعيان في الإنسان، ويعيد الأفغاني ذكر الآيتين الأوليين لبيان الوحي صاعدا من الطبيعة وكأنه يبين أسباب النزول. اليأس ضد روح الإسلام وروح التاريخ،

فماذا بعد الحق إلا الضلال . وإن كانت للعامة غفلة فليس للعلماء عذر،

إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم . فالراحة بالرضا، والنصب بالطموح. والغرب عالي الهمة يركب الأخطار وغيره من الفرنسيين الأحرار، فلماذا تقعد الشرقيين الأوهام الباطلة والأحلام الكاذبة وقد كان لهم في أسلافهم سنة حسنة؟

7

وتمثل مجموع الفضائل الأخيرة استرداد الحق ورفع الظلم واستعمال القوة. فلذة استرداد الحق لا تضارعها الهيبة والتهيب. وأمة ثبتت في جهادها لأخذ الحق ساعة خير لها من الحياة في الذل إلى قيام الساعة. وصاحب الحق قوي ولو كان ضعيفا، والمبطل ضعيف ولو كان قويا.

8

واسترداد الحق لرفع الظلم. ولا يكفي في ذلك الكلام. واعتماد المظلوم على وعود الظالم بالكلام أقتل له من المدفع والحسام، وإذا لم تتذرع الأمة بشكواها من ظالميها بغير الكلام فاحكم عليها بأنها أضل من الأنعام. والظلم حق باق حتى ولو لم يسترد. المظلوم حي ولو مات، والظالم ميت ولو عاش. المهم ألا يقع المنتصر للمظلوم في شرك الظالم. وسجن الظالمين للمصلح رياضة، ونفيهم له سياحة، وقتلهم له شهادة وهي أسمى المراتب. ولا خير في حق لا تدعمه القوة. وإن أضعف ما في هذا العصر حق لضعيف لا قوة له. وأقوى شيء باطل لقوي يجعل باطله حقا. القوة صنم مرهوب، والضعف شبح مربوب. ولا يؤمن بربوبية القوة إلا شبح الضعف. القوة قانون طبيعي، هو أساس تنازع البقاء. إذ تخضع الكائنات إلى ناموس عظيم هو القوة. وظهرت آثاره في الحيوان والنبات والجماد والأفلاك. فلكل حركة اضطرارية تأتيها طوعا أو كرها. القوة طريق استجلاب المنافع ودفع المضار. وتسمى أيضا الجاذبية لحفظ نظام الكون. بالقوة يحيا النبات، ويجذب الغذاء، ويدافع عن نفسه بأعضاء لافتراس الحشرات. وتظهر القوة في عالم الحيوان. القوة مظهر الحياة والبقاء، والضعف يؤدي إلى الفناء. بالقوة تظهر المواليد، وبالضعف يبدأ الموت. القوة للذات تتطلب إضعاف الغير وتسخيره؛ لذلك لا تنال الأمم المهضومة حقها إلا بالقوة. فقد امتلكها الاستعمار بالقوة، استعمر الإنجليز الهند لضعفها. وامتلك الإسبان المغرب بالقوة. والتحرر لا يكون إلا بالقوة. وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.

وكان حقا علينا نصر المؤمنين . وقلما يأتي الحق بدون عناء، والقبة الجوفاء لا ترجع إلا الصدى. والمصلح الزعيم من لا يفر ولا يتضعضع من أذية اللئام. والأسد لا يعدم فريسة أينما ذهب. ويبدو أن الأفغاني هنا أقرب إلى دارون وتنازع البقاء ونيتشه وإرادة القوة، وإن رد على الدهريين لأسباب دينية خالصة تتعلق بالخلق.

9 (2) فلسفة التربية

والتربية هي وسيلة الانتقال من الأخلاق الفردية إلى الأخلاق الاجتماعية. وترتبط فلسفة التربية بفلسفة الطبيعة وتدرجها من النبات إلى الحيوان إلى الإنسان. وهنا يبدو الأفغاني أقرب إلى نظرية التطور منه إلى نقدها. فإذا توجه العقل إلى الأجسام الحية علم أن قوام حياتها بتفاعل عناصرها الداخلية دون غلبة أحدهما على الآخر من أجل حدوث الوسط المتناسب أو التعادل بينها كما هو الحال عند القدماء. ووضعت علوم النبات والحيوان والطب لذلك لإعادة التوازن بين البسائط التي يتركب منها الجسم للوصول إلى حالة الاعتدال حتى تحقق حكمة الله في بقاء الأنواع. وقد ارتبطت علوم الحياة بعضها ببعض، ولزم الطبيب معرفة علم النبات وعلم الحيوان. والروح الإنسانية تعمل بالتضاد من أجل خلق هذا المزاج المعتدل، وروح الكمال الإنساني. وباجتماع أخلاق متضادة تقوم الأخلاق بالتعادل بينها. فالشجاعة وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين التبذير والبخل كما قال القدماء. ويقع الفساد بتغلب أحد الضدين على الآخر. لذلك وضعت علوم التربية والتهذيب لهذا الغرض، المحافظة على فضائل النفس ضد الانحراف والتطرف مثل الطب، وعلاج الأرواح في مقابل علاج الأبدان. وكما يعلم الطبيب منافع الأعضاء يعلم عالم الأرواح منافع الأخلاق ومضارها. وكما أن الطبيب يتصف بأخلاق الشفقة والرحمة كذلك المربون فضلاء لضرورة تطابق الفكر والعمل. وكما لا يتخذ الطبيب الطب للوصول إلى أغراض شخصية كذلك المربي الناصح المرشد يقوم بتوجيه الأفراد نحو خدمة الأوطان والأقوام. هنا يبدو الأفغاني مثل القدماء في التماثل بين طب الأجسام وطب الأرواح مثل الرازي والفارابي وابن سينا وإخوان الصفا. ويقوم هذا الطب على العلة الغائية. فليس في الإنسان عضو يتحرك لغير قصد وغاية. كل حركة يعملها الإنسان لا يعلم غايتها يحكم عليه بالجهل. القصد هو أساس النظام. فالنظام هو ما انتظم به شمل عالم متفرق يصرفه لوجهة ناقصة، والحجر خير من بشر يقعد لغير علة ويحتاج بشرا مثله.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٣٩