لقد أخطأ الإفرنج في الخلط بين القضاء والقدر ومذهب الجبرية. وتابعهم المسلمون في هذا الخلط. والاعتقاد بالقضاء والقدر غير الاعتقاد بالجبر ولا من مقتضياته. ولا يوجد مسلم الآن، سنيا أو شيعيا، زيديا أو إسماعيليا، وهابيا أو خارجيا يرى مذهب الجبر المحض، وسلب الاختيار عن نفسه. انقرض مذهب الجبرية في أواخر القرن الرابع للجهرة. واستقرت في نفوس المسلمين عقيدة الكسب، مناط الثواب والعقاب. هنا يدافع الأفغاني عن القضاء والقدر باعتباره متكلما حديثا ضد الطعن على الإسلام والترويج للشبهات الجديدة التي تلتقي حوله من الغرب عامة والمستشرقين خاصة، رسالة القضاء والقدر إذن تعطي التفسير الصحيح للعقيدة التي كثر فيها لغط المغفلين من الإفرنج.
2
القضاء والقدر ترشد إليه الفطرة والدليل القاطع؛ فلكل حادث سبب يقارنه في الزمان. والإنسان لا يرى إلا الأسباب المباشرة دون الأسباب الأولى. وإرادة الإنسان حلقة من حلقات سلسلة العلل. وهي أثر من آثار الإدراك. والإدراك انفصال النفس بما يعرض للحواس والشعور بما في الفطرة من الحاجات. فلظواهر الكون سلطة على الفكر والإرادة. وهذه الأسباب من مدبر الكون الذي أبدع كل شيء وفقا للحكمة، وجعل كل شيء تابعا لشبهه في العالم الإنساني. ولا يمكن إنكار تأثير الفواعل الطبيعية والحوادث الدهرية في إدراك البشر.
3
وواضح اعتماد الأفغاني على وصف السنن الكونية والتحليل التاريخي لمسار العقائد، مثل انقراض الجبرية في أواخر القرن الرابع الهجري، وتحول الكسب الأشعري إلى جبرية في العقائد الشعبية. وبالرغم من أن الأفغاني يبدأ عادة بوضع قانون عام يندرج الموضوع تحته مثل أثر العقائد في سلوك الأفراد والجماعات، إلا أنه كثيرا ما يقع كالعادة أيضا في نوع من الخطابة والإنشاء، وتغليب أسلوب الداعية على أسلوب الباحث.
وقد لجأ بعض الإفرنج إلى الإطالة في إثبات القضاء. والتاريخ علم أفضل من الرواية، علم البحث عن سير الأمم صعودا وهبوطا، وطبائع الحوادث وما فيها من تغيير في العادات والأخلاق والأفكار، وفي الإحساس والوجدان. ولو كان الأمر بيد البشر وحدهم لما حدث قيام أو سقوط. هنا يلجأ الأفغاني إلى تحليل التجارب التاريخية للأمم والشعوب، أسباب النهضة وأسباب الانهيار. وهو أفضل من علم الرواية أي المنهج النصي، بالرغم من عدم خلو الأسلوب من خطاب الوعظ والإرشاد، مثل
أنتم يا عصبة الرحمن وأولياء الشفعة .
4
ويعطي الأفغاني تحليلا نفسيا لآثار القضاء والقدر في النفس بحيث تدفع على الفعل أكثر مما تؤدي إلى الخمول؛ فالقضاء والقدر إذا ما تميز عن الجبر يخلق في الإنسان القدرة والإقدام والشجاعة والبسالة واقتحام المهالك. فإذا كان الأجل محدودا فلا يجدي الخوف
الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم . اندفع المسلمون للفتح، وقضوا على الإمبراطوريتين، الفرس والروم، في أقل من ثمانين سنة، وعمروا الأرض، وصعدوا الجبال بالاعتقاد بالقضاء والقدر، وثبتت أقدامهم للعلى، لا فرق بين نساء وأطفال وشيوخ، وقد استكانوا اليوم بسبب الاستعمار الأجنبي. ويشهد التاريخ أن كل القائمين العظام كانوا يؤمنون بالقضاء والقدر مثل كورش الفارسي (كيخسرو)، والإسكندر الأكبر، وجنكيزخان، ونابليون. فالاعتقاد يخلص النفس من الجبن، وهو الذي يعوق عن التمدن. ولم يجد الأفغاني إلا الغزالي للاستشهاد به على أن التوكل والركون إلى القضاء من مطالب الشرع، في النشاط والعمل وليس في البطالة والكسل. ليس التوكل هو سبب التخلف بل صدمة الاستعمار، من الشرق التتار ومن الغرب الأمم الإفرنجية. الإسلام لن يموت فالعقائد حية. إنما المطلوب هو الاعتدال. وقد فتح العثمانيون البلاد بعد صدمة الصليبية والتتار، ودانت لهم البلاد الإفرنجية بفضل القضاء والقدر.