تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إقامة عقائد الأمة، وهي أول ما ينتقش في النفس، على البراهين القويمة والأدلة الصحيحة وليس على التقليد. وقد طلبت أوروبا في العصور الحديثة البرهان على صحة العقائد، وعارضت رجال الدين وسلطتهم، دفعا للتقليد وتشجيعا على الاجتهاد. وينفرد الإسلام عن باقي الديانات بطلب البرهان، وقيام عقائده وأصوله على العقل والبرهان. (4)

قيام طائفة في كل أمة يختص عملها بتعليم الأمة. وهم العلماء المناط بهم تنوير العقول بالمعارف، وتحليتها بالعلوم من أجل نيل السعادة وطائفة أخرى تقوم بتربية النفوس وتثقيفها، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر طبقا لأمر القرآن

ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ،

فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون . وكان الأفغاني ينوي وضع كتاب لبيان أن المدينة الفاضلة لا تقوم إلا بالدين الإسلامي. ولما كان المسلمون على غير الإسلام فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فالأديان نافعة لقيام النظام البشري على الإطلاق، والإسلام على الخصوص.

32

هكذا يبدو الأفغاني من مؤسسي علم الكلام الجديد، مدافعا عن الإسلام فيما تصوره يمثل خطرا عليه وهو الدهرية أو المذهب الطبيعي، ومثبتا وجود الله، وخلق العالم، وخلود النفس وأمور المعاد. ولكنه أخطأ الطريق ولم يصب الهدف. فالمذهب الطبيعي ليس ضد الدين ولا الدين ضد المذهب الطبيعي. الإسلام دين الفطرة، أي دين الطبيعة، والطبيعة خيرة تتجه نحو حقائق الدين. الدين طبيعة، والطبيعة دين. الدين طبيعة نازلة، والطبيعة دين صاعد، لا فرق بين تنزيل وتأويل بتعبير القدماء. لذلك يوجه القرآن النفس والعقل نحو الطبيعة والتأمل في ظواهرها. والآية ظاهرة طبيعة ونص في آن واحد. الطبيعة مصدر تحرر دائم من النص. الطبيعات مقدمة للإلهيات في علم الكلام، ولما بعد الطبيعة في الفلسفة، والخلق والحق واجهتان لشيء واحد عند الصوفية، وتحليل العلل ومقاصد الشرع واحد في علم أصول الفقه. ومن ثم برز سؤال عند المحدثين وبحق: عود إلى النص أم عود إلى الطبيعة؟

33

الفصل الثالث

| الحرية والعقل (العدل)

(1) القضاء والقدر

بالرغم من أن الأفغاني ظل أشعريا في التوحيد والعدل وخروج محمد عبده عليه إلى المنتصف فأصبح أشعريا في التوحيد معتزليا في العدل، إلا أنه حاول الخروج عن الأشعرية بنقده عقيدة القضاء والقدر التي صب فيها الكسب الأشعري في الممارسات الشعبية وتحول إلى جبر وظل معتزليا خارجيا في الإمامة يقول بضرورة الخروج على الحاكم الظالم، بينما ظل محمد عبده أشعريا مرجئا يقول بضرورة طاعة الإمام حتى ولو كان ظالما.

يبدأ الأفغاني ببيان أثر العقائد القلبية في الأعمال البدنية، وأن صلاح الأعمال وفسادها راجع إلى صلاح العقيدة. فإذا ما تم تأويل العقيدة الحسنة تأويلا سيئا تصبح وكأنها عقيدة سيئة وتبطل الأعمال. فالأعمال دليل على العقائد. لذلك يطعن البعض على العقائد والدين استنادا إلى أعمال بعض السذج. فإذا كان محمد بن عبد الوهاب قد بدأ بإصلاح العقيدة، ومدحت باشا بإصلاح الحكومة والإدارة فإن الأفغاني بدأ بإصلاح العقول والنفوس أولا ثم إصلاح الحكومة ثانيا، وربط ذلك بالدين. وإذا كان مدحت باشا يرى أن إصلاح الشعب يأتي عن طريق إصلاح الحكومة فإن الأفغاني يرى أن إصلاح الحكومة يأتي عن طريق إصلاح الشعب. وإذا كان مدحت باشا يرى أنه إذا صلح الراعي صلحت الرعية والغاية الدستور فإن الأفغاني يرى أن القوة النيابية تنبعث من نفس الأمة.

1

ومثال هذه العقائد التي لها أبلغ الأثر على النفوس، عقيدة القضاء والقدر التي كثر اللغط فيها وسوء فهمها خاصة من الإفرنج؛ فقد زعموا أنها سبب تأخر المسلمين وضعفهم وفقرهم وفسادهم وكذبهم ونفاقهم، وأن الاعتلال بالقدر سبب الخيانة والتحاقد والتباغض والتفرق والجهل بالأحوال الحاضرة والمستقبلة والغفلة عما يضرهم وينفعهم، والركون إلى الحياة طعاما وشرابا ونوما دون تنافس في فضيلة والإضرار بالآخرين. تحول البأس بينهم والأمم تبتلعهم جزءا جزءا. قبلوا العوارض، وارتكنوا إلى السكون دون أداء الواجبات، ومالوا إلى التخاذل والتنافر، وإهمال المصالح العامة. والتنافر يذهب بشوكة الأمة، ويضيعها مثل الصراع بين زعيمين، وموالاة أحدهما للأجنبي ضد أخيه. وقعوا في الإسراف والتبذير والتخاذل، وسكنوا لغياب الجمعيات لإحياء الغيرة في النفوس. وسبب كل ذلك عقيدة القضاء والقدر التي تؤدي إلى الفناء والأفول. فالنظر أساس العمل.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٢٨