تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما حدث الخلط عند الإفرنج بين الجبرية والقضاء والقدر حدث خلط مماثل عند بعض العلماء المسلمين المزيفين بين القدرية وهم المعتزلة والجبرية. فهاجم أحدهم الزمخشري ومؤلفه

الكشاف ، وأخرج من قرأه من عداد أهل السنة، وأدخله في زمرة الملحدين؛ لأنه من المعتزلة المدافعين عن الجبرية! لذلك أدانه ابن خلدون؛ لأنه أشعري، وكل من خالف ابن خلدون فهو مارق من الدين مضل للمسلمين. فالشيخ لا يعلم أن مذهب المعتزلة هو خلق الأفعال، أي حرية الاختيار مع أنه يدعي أنه من كبار مدرسة السليمانية، درس كل العلوم العقلية والنقلية والخلافيات. ويضع الجبرية والمعتزلة القدرية في سلة واحدة. ويرى العالم المزيف أن كل الأفعال مسندة إلى الله كما يقول الزمخشري المارق المضل! ويذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية انتقاء لإثبات ذلك وينقد تفسير الفخر الرازي وشرح الكشاف لابن الطيبي. ويدافع الأفغاني عن المعتزلة ككل ولا ينقد كل آرائهم. ففيها الحسن والقبيح. ويمدح واصل بن عطاء لاعتزاله مجلس الحسن البصري وخلافه معه في مسألة مرتكب الكبيرة، وقوله بالمنزلة بين المنزلتين، بين الخوارج وأهل السنة. ثم ينقد الجبرية لنسيانهم الجزء الاختياري الكسبي. فينتهي الأمر إلى المذلة. وقد ينطبق المذهب على العالم الروحاني أكثر من العالم الجسماني؛ لأن الأول خال من الإرادة وحرية الاختيار. وينقد تفسير «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» بأن التعوذ معرفة الله بالمحدثات كلها وسبق القضاء الأزلي. فالله أقدر من الشيطان ، ومحيط بكل الكائنات والحوادث، وهو تناقض. فإما أن يعصي الشيطان وهو ما ينال من القدرة الإلهية أو يكون مسلطا على الإنسان مما ينال من الحرية الإنسانية. فعندما يتهم العالم المزيف الجبرية قاصدا المعتزلة بالقول بأن الاستعاذة من الشيطان لا فائدة منها يكون أقرب إلى الجبرية وأبعد عن القول بالحرية الإنسانية عند المعتزلة. كما يدافع الأفغاني عن ابن خلدون ضد اتهامه بالتحذير من الزمخشري بإيراد نص منه. وينتهي الأفغاني إلى الدفاع عن القضاء والقدر؛ لأنه حال الربوبية في الخلق معتمدا على الأستاذ علي منلا خان بأن القضاء هو ما قضى به الله في الخلق وسبق علمه في اللوح المحفوظ أزليا، والقدر ما نزل على الأرض بالتدريج حادثا ومسببا. ويكون محمد عبده قد تقدم خطوة على أستاذه ببقائه أشعريا في التوحيد وتحوله إلى الاعتزال في العدل لقوله بالحسن والقبح العقليين وبحرية الاختيار دون الاكتفاء بحسن تأويل القضاء والقدر.

5 (2) العقل والتكليف

وإذا كان أصل العدل يشمل عقيدتين عند المعتزلة، خلق الأفعال، والعقل أساس النقل أو الحسن والقبح العقليين فإن الأفغاني يحاذي أصل العدل عن المعتزلة ولا يدخل إليه كلية كما فعل محمد عبده. فالعقل مناط التكليف قبل ورود الشرع عند الأفغاني. وهو أعظم ما خلق الله. كرم الله الإنسان به؛ لأنه أشرف المخلوقات. وهنا يبدو الأفغاني معتزليا قحا. وإذا صح القضاء والقدر بمعنى الجبر بطل الثواب والعقاب. ويعتمد الأفغاني على منلا خان لإثبات إباحة الإسلام الجدل بالتي هي أحسن استجلاء للحقيقة، أي استعمالا للعقل. وتم تكليف الإنسان وحده دون الحيوان والجماد لتحمله مسئولية الأمانة باختيار حر. فعل الإنسان مرجح بين الفعل والترك، والأفعال خارج الترجيح لا ثواب ولا عقاب عليها. تسخير كل ما في الأرض له وجعله خليفة الله في الأرض. وهذا كله لا يتعارض مع علم الله بكل المحدثات وقدرته على كل شيء. فكلا الإثباتين شرعيان، عقل الإنسان وحريته، وعلم الله وقدرته.

خلق الله الإنسان وأودع فيه العقل لمعرفة أسرار الكون كما قال ابن عربي:

وتحسب أنك جرم صغير

وفيك اطوى العالم الأكبر

6

الإنسان نفسه من أكبر أسرار الكون. ويستجلي بعقله ما غمض عليه عن طريق العلم. فما كان خيالا أصبح حقيقة. يقلب الإنسان النظر في الفضاء والبحار، ويقلد الطيور والحيتان فتنكشف الطيارات والغواصات والصواريخ، ويتحرر العقل من الأوهام كل يوم. وليس بمستحيل إيجاد مطية توصله إلى القمر أو الأجرام الأخرى (وقد حدث بالفعل). فالعقل ليس فقط مناطا للتكليف وسندا للحرية والمسئولية متوجها نحو الفعل، ولكنه أيضا الطريق إلى العلم واكتشاف قوانين الطبيعة متوجها نحو العالم.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٣٠