noèse ، والشعور باعتباره موضوعا
noème . ولم تحدد الطبيعة طريقة محددة لذلك. ومع ذلك هناك طريقان عرفتهما البشرية: طريق حق وطريق باطل، هدى وفتنة، تعفف من ناحية وسفك دماء واغتصاب حقوق من ناحية أخرى، طبقا لثنائية الأفغاني التطهرية. والطريقة المثلى هي حد الاعتدال وقصر النفوس عليه تخفيفا للأهواء. ويكون ذلك بطرق أربع: (1)
المدافعة الشخصية. وهو طريق النضال والقتال وإسالة الدماء، طريق الجلاد، وغلبة القوي على الضعيف. فإذا قوي الضعيف وضعف القوي طبقا لجدل السيد والعبد تدور الدائرة، ويستمر الفساد في النوع الإنساني. فالأفغاني هنا يدين العنف واستعمال القوة لتحقيق الخير والمنفعة العامة. (2)
شرف النفس. وهو طريق يمنع صاحبه من إتيان ما يذم عند قومه، وهو ما يتغير بتغير الأقوام وعند البدو والحضر مثل الحيلة والمكر، مقبولة عند قوم مرفوضة عند آخرين. ولما كان لكل كائن علة غائية فغاية الأخلاق توسيع الرزق، والشرف من أجل البقاء. ومن ثم يجوز جعل شرف النفس ميزانا للعدل. وأما حب المحمدة فقد يتعارض مع الشهوات. ولا يمكن الجمع بينه وبين شرف النفس. وكلاهما اختياران. (3)
الحكومة. وقوتها تكمن في الكف عن العدوان الظاهر ورفع الظلم البين ولكنها لا تستطيع منع الاختلاس والزور والتمويه والباطل المزين والفساد الملون بصيغ الإصلاح، والخفايا والدسائس. الحكومة تقوم بالأمن الخارجي ولكنها تعجز عن منع الاضطراب الداخلي. تستطيع الحكومة أن تسيطر على المجتمع ولكنها لا تستطيع التحكم في أهواء النفس. (4)
الاعتقاد بالألوهية. هو الحل الجذري للشهوة والأهواء، أي الإيمان بأن للعالم صانعا عالما بالظاهر والباطن، قادرا على الخير والشر، يجازي في الحياة الأخروية. ويكبح هذا الاعتقاد والنفس عن الشهوات ويمنعها من العدوان، هاتان العقيدتان، وجود الله والإيمان بالمعاد أفضل طريق لنيل الفضائل.
ويبطل الطبيعيون هاتين العقيدتين من أجل الإباحة والاشتراك فينهدم بناء الإنسانية، وتنهار قواعد المدنية، وتفسد الأخلاق البشرية. قد ينخدع بأقوالهم طلاب التمدن. فالدين، مهما انحطت درجته، أفضل من طريقة الدهريين مهما علت. وقد ألهم الله النفوس بالتحذير من الطبيعيين حفاظا على نظام الكون والنظام الإنساني. فالدين فطري يطرد آراء الطبيعيين، ويخلص النفوس منها، ويحقق سعادة الإنسان.
30
ولا يبين الأفغاني كيف أن الاعتقاد بالألوهية أيضا قد يكون غطاء وستارا يخفي أبشع صور الاستغلال كما حدث في شركات توظيف الأموال وفي كل مظاهر القهر والاستغلال باسم الدين. وواضح تعصب الأفغاني للدين ضد المذهب الطبيعي. فالدين مهما انحط أفضل من المذهب الطبيعي مهما علا وكأن الجاهلية وعبادة الأصنام أفضل من المذهب الطبيعي. والتأليه الطبيعي والأخلاق الطبيعية هي أخلاق الفطرة، وهي من خلق الله،
صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ؟
وينتهي الأفغاني من عرض هذا البديل الديني الأخلاقي بالإعلان عن موقفه الدفاعي في مطلب
إن الدين الإسلامي أعظم الأديان .
31
فهو دين متين قائم على أساس الحكمة، يهدف إلى إسعاد البشر وتدرجهم في العلم والفضيلة. وذلك لا يتحقق إلا بأربعة أمور تتم بها سعادة الأمم هي: (1)
صفاء العقول من كدر الخرافات وصدأ الأوهام نتيجة صفاء التوحيد. فالأفغاني هنا يوحد بين العقل والوحي، بين بداهة العقل وتنزيه الله. وكلاهما يجتمع في النور الفطري. (2)
استقبال النفس وجهة الشرف، وطموحها إلى بلوغ الغاية بحيث تكون لائقة بالكمال الإنساني باستثناء النبوة. وقد فتح الإسلام باب الشرف لذلك بالدعوة إلى الإسراع إلى الفضيلة والتسابق إلى الخير. لقد قسم دين براهما الناس أربعة أقسام. لكل قسم كماله من الفطرة. وكان هذا التقسيم سببا في انحطاط الدين. وفضلت اليهودية شعبا على باقي الشعوب. تكرم الأول وتحقر الثانية. فارتفع امتياز الجنسية وقدر العرق. وظهر البناء الطبقي للمجتمع اليهودي، طبقة عليا للأحبار والكهان وطبقة دنيا لعامة المؤمنين. وكعب الأحبار واسطة بين العبد والرب، بين الشعب ويهوه، مخالفة لما جاء في الكتاب. فأتى الإصلاح الديني اليهودي والبروتستنتي موافقا لما جاء به الإسلام ضد التوسط بين الإنسان والله وضد اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله. (3)